مات ستالين… يحيا شرشبيل…

11 ديسمبر 2019

المتابع لخطاب الناشط السياسي رضا المكّي (الشهير بتسمية رضا لينين)، يلاحظ بكلّ تأكيد أنّ صراعه ومعاركه وخصامه ونزاعه كانت أكثر مع «الرفاق الأعداء» أكثر بكثير جدّا ممّا هو مفترض (وفق أجندات المرحلة) من بحث عن مكانة وتوسيع للمجال أمام «العدوّين»، أيّ النظام «الكمبرادوري» من ناحية وكذلك «الظلاميّة الدينيّة»…

الصراع جزء مؤسّس للسيرورة البشريّة، ولا يمكن تخيّل العالم دون هذا «التدافع»، فقط يكمن السؤال (الذي لم تُحسم بعد الأجوبة عنه) في شكل هذا الصراع، مجاله وكذلك مداه.

عندما نريد تبسيط المشهد، يمكن القول بل هو الجزم أنّ صراع «رضا لينين» مع «الرفاق اللدودين» يتأسّس على مسألة فكريّة بل هي فلسفيّة أكيدة، تقوم على نقطتين متكاملتين:

أوّلا : هل «الذات» ضمن التعريفات القائمة لهذا اللفظ، تخضع للمساءلة المعرفيّة ومن ثمّ «الشكّ المعرفي/الشرعي» القائم على نقد يتلوه سعي لتصويب المسار؟؟؟

ثانيا : هل الصراع الأيديولوجي مع كلّ «الكمبرادوريّة الحاكمة» وكذلك «الظلاميّة الدينية» تستثني مرحليا أو أبديّا، الصراعات البينيّة الأخرى، سواء من باب السعي لتحقيق الانتصار والتمكّن من الحكم أو المسعى لتوسيع الحيز الفعلي، على حساب «الخصمين الأخرين»؟؟؟

خطورة الفكر الذي يحمله رضا لينين أنّه يدمّر الدفاعات التي أسّس لها رفاقه واعتبروها من المقدّسات بل أقاموا صروح هيكلهم على صوابه، ليكون هو أشبه بذلك اللاعب الذي لا يطبّق خطّة «التسلّل» في كرة القدم، بمغادرة المنطقة صحبة «الرفاق الأخرين»، ممّا جعل الخصم يتفادى السقوط في «الفخّ» المنصوب.

Gبكلّ بساطة ورجوعًا إلى فكر الرجل منذ الجامعة وإلى يوم الناس هذا، هو يرى (مع تطور أكيد ونقد متواصل) أولى وأشدّ إلحاحًا ممارسة «النقد الذاتي» في حين أنّ «الأصوليّة اليساريّة» أسوة بل وتأثرًا، إن لم نقل تقليدًا لما هي «الأصوليّة الدينيّة» ترى نفسها وفكرها ومن ثمّة فعلها ونتائج الفعل، في مرتبة «المقدّس» الذي لا يقبل النقاش ولا يحتمل المساءلة. ممّا يخلق تناقضا بين «مدرستي اليسار» مثلما هي التناقضات بين «مدارس الإسلام السياسي» منذ المعتزلة (على الأقلّ)، ليكون السؤال المتدحرج دائمًا اشبه بحجر سيزيف : هل يمكن نقد «الجزء» والامعان في تبيان نقائصه دون المسّ بما هو «جوهر الكلّ» والتشكيك في شرعية وجوده؟؟؟

رفاق الرفيق «رضا لينين» يرون أسوة بعديد الفرق والطوائف والمدارس الأصوليّة الإسلاميّة أنّ التشكيك في الجزء يمثّل طعنًا في الكلّ، إن لم يكن (تأسيسًا على «نظريّة المؤامرة») خدمة مباشرة لأعداء المرحلة أو هو تكليف من قبلهم بطعن «وحدة اليسار وتشتيت قواه».

المتابع لخطاب (الرفيق) «رضا لينين» منذ أن برز في صورة مدير حملة الرئيس الحالي قيس سعيّد، يلاحظ أنّ خطابه لا يقوم (أسوة بباقي «العائلة اليساريّة) على الصراع العمودي (التقليدي ـ المستهلك) مع «الظلاميّة الدينيّة». صراع يمثّل «رأسمال» أغلب التيّارات اليساريّة القائمة على الساحة (اعلاميّا على الأقلّ)، بل يؤمن الرجل بصراع أخر يأتي «أفقيّا» ضدّ الفقر والتهميش ومن ثمّة وجوب تحقيق العدالة الاجتماعيّة للجميع ومن خلال التلاقي مع «الجميع» (على الأقل من يلتقون معه عند هذه الفكرة).

هي أشبه بمعركة، بل هي (مع فارق الزمن والمعطيات التارخيّة) ذات المعركة، التي قامت «يوم الجمل» بين المسلمين الأوائل حول أولويات المعركة. الرفاق راهنًا (منذ السبعينات إلى يوم الناس هذا) يطرحون من خلال خصامهم وصراعهم ومعاركهم السؤال التالي : هل الصراع مع «الخوانجيّة» والحسم فيه بالنصر والضربة القاضية (بالتأكيد وفق ذات الفكر) سابق بل هو مؤسّس للذهاب في مشروع «دكتاتوريّة البروليتاريا» كما يرى (نظريّا) حمّه الهمّامي ومنجي الرحوي ومحمّد الكيلاني (وإن كان فيه تفاوت هامّ بين هذا الثلاثي وداخله)، أم (كما يرى الرفيق رضا لينين) أنّ «المعركة» الواجبة صارت على جبهة غير الجبهة التي اعتبرها اليسار، وبالتالي تحقيق النصر بمعيّة قوى تؤمن بذات المشروع الجامع، بمن فيهم أعداء الرفاق الثلاث : التيّار الإسلامي، أو بالضبط الجزء المتقاطع مع (سي) لينين في حدّ الأدنى الضامن للفوز؟

بالمختصر المفيد : هل يمكن أن يصل الفكر اليساري إلى «التمكين» من خلال «وضع اليد» في أيدي تنظيمات «غير يساريّة»، بل عدوّة (تاريخيا) لجزء غير هيّن من هذا اليسار؟

ما زاد الطين بلّة والمصيبة اشتعالا، أنّ «رفيق الأمس» ساهم أو هو أحد ركائز الفكر والآلة ومن ثمّة المنظومة التي أوصلت «غير اليساري» ضمن تعريفات «رفاق رضا لينين» قيس سعيّد، إلى قصر قرطاج وبفارق شاسع جدّا، في حين أنّ «اليسار التاريخي» ممثلا في حمّه الهمّامي ومنجي الرحوي وعبيد البريكي، نال مجتمعا ما يسمّى «صفر فاصل»…

نجاح رفيق الأمس رضا لينين، لم يأت ولم يبرز ولم يكن فقط، على مستوى جملة الأصوات التي حصل عليها شريكه وصديقه قيس سعيّد، بل هذا النجاح مثّل طعنة في «الفكر اليساري» المعارض الذي أسّس كامل هويّته السياسيّة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي على «مواجهة الظلاميّة الدينيّة»، بل على امكانيّة أو هو واجب التحالف (المسمّى لغة «مرحليّا»)، مع «الكمبرادوريّة الحاكمة» لتحقيق هذا الفعل. مثال ذلك تلك اللافتة الشهيرة الذي يعبّر من خلالها «الوطد الموحدّ» عن وقوفه وراء (الكمبرادوري) محمد الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسيّة لسنة 2014، في لغة أشبه بما تعتمد شُعب التجمّع الدستوري الديمقراطي في دعمها للمقبور زين العابدين بن علي.

ما يدور من صراعات داخل الطيف الإسلامي هو ذاته، مع فارق الدلائل والمكوّنات، داخل الطيف اليساري. أوّلها العلاقة القائمة مع «الإخوة» أو «الرفاق» خارج الفضاء التونسي.

رضا لينين عميق الاطلاع وشديد التأثّر بالمدارس اليساريّة في أمريكا الجنوبيّة، التي تعتبر «البرنامج الاجتماعي» أهمّ من «المشروع اليساري» للوصول إلى الحكم بأيّ طريقة، في حين لا يزال «الرفاق الأعداء» داخل الفضاء التونسي، تعتبرون (مثل شرشبيل مع السنافر) أنّ القضاء على «الخوانجيّة» الهدف الأوحد والوحيد، وإن كان أخر مهمّة في حياة كلّ منهم…. مع طول العمر للجميع…


تعليق واحد

  1. محمد الطاهر يوسفي

    أحسنت رفيق علي بهذا النقل!

اترك رد

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي