من الغنوشي إلى طارق رمضان: مزالق الشبهات ودلائل الاشتباه…

6 فبراير 2018

من دلائل عصر الانحطاط، ذلك الانزلاق بل هو الغرق ضمن ثنائيّة «التفسير والتلخيص»، ومن مساوئ ما نعيش من انحطاط (الفكر والثقافة والحضاري) السقوط والغرق ضمن ثنائيّة «تنسيب الثوابث» أيّ جعل «الثابت بالنصّ» [بالنسبة لمن يدعون نسبة إلى النصّ الديني] محلّ نفض بل نسخ وتعويض، وكذلك ذلك السعي المرضي بل هو أشبه ما تكون غريزة الحياة حين البحث عن «نقطة مفترضة» بين «المتناقضات»، أي كسر الحاجز الفقهي/الشرعي/الإيماني بين ما فصلت «الحدود» عن بعضه البعض، وفق النصوص الشرعيّة الثابتة وغير القابلة للتأويل.

أيّ بصريح العبارة ومن باب الإستعارة، لا ثوابت بيّنة ولا أسس قائمة ولا مرجعيات ثابتة، حين صار الانتقال من موقع إلى ثان، وأساسًا ما يُساق من تبرير بحساب «كلّ قفزةٍ» أهمّ ألف مرّة وأرفع قيمة مليون مرّة، من التحوّلات الكبرى بين نقطتي الانطلاق والمنتهى، أيّ المسافة المقطوعة، في علاقتها سواء بالمرجعيات الدينيّة المعتمدة، أو الثوابت الأخلاقيّة المؤسّسة، لأنّ «أهل القفز» الذين انطلقوا من نقطة البداية إلى ما هم فيه، لا يملكون شجاعة توسيع الرؤية واستعادة المشهد واستجماع المعادلة، لطرح أسئلة مصيريّة بل محتومة، سواء عن «شرعيّة المسار» أو «المصالح المحصّلة» (افتراضًا) أو حتّى «السند الديني/الفقهي/الشرعي»، أو حتّى الأخلاقي القادر على تبرير هذا «التيه» (هو تيه فعلا) بين نقطة البدء [الغارقة في التديّن] ونقطة الوجود الراهن [الغارقة في الغرائز المجرّدة والتبريرات الوجوديّة]…

حركة النهضة خير مثال، بل هي المثال الأفضل [قياسًا] بين مسيرات (ما يسمّى) «الاسلام السياسي»، حين وجب أن نحلّل وننقد ونبدي أحكامًا على (هذا) «الإسلام السياسي» وفق ما يدّعي هذا «النمط السياسي» من مرجعيات، ووفق ما يقدّم من قراءات ووفق من هو فاعل أمامنا أي أمام الجميع. أيّ بالمحصّل نقد «النهضة» بمرجعيتها، ووفق ما أعلنت في الماضي، لنقف على حجم التناقض بل التضارب، أو هو «الانقلاب» [على الذات]، إن لم نقل حالة «الانفصام» [المرضي].

أمسكت النهضة «عصا الحداثة» أو هي قرّرت التماهي معها منذ أواسط الثمانينات، حين أصدرت جملة من الكتابات، تتماهى فيها وتعترف، بل هي تقبل بما هي «الديمقراطيّة الغربيّة» [المفترضة حينها من قبل نظام فاشي] داخل الفضاء السياسي التونسي، لكنّها (في أواسيط الثمانينات دائمًا)، قدمت القراءة/التنازل على أنّها «تطوّر ذاتي» بل هو «أصيل داخلها» لم تبتكره من عند الغرب، وإن كانت قبلت [كما كتب راشد الغنوشي حينها] بما هي «التسميات الغربيّة» التي (بحسبه) تتوافق حدّ التطابق مع «المسميات الإسلاميّة»، ومن ثمّة (وفق الغنوشي حينها) «لا ضرر» من اعتماد «لفظ الديمقراطيّة» ما دامت في عقل «النهضة» [ومن قبلها «الاتجاه الاسلامي»] تعني على مستوى اللفظ والمعنى والدلالة والاسقاط وحتّى التأويل ما يقدّمه لفظ «الشورى» ضمن المعجم الفقهي الإسلامي.

images (1)من الإمساك بالدائرة الأوسع من «الموروث الغربي» والحفاظ على «محرّك الدوران» الذهني إسلامي، انزلقت النهضة حاليا إلى أن واصلت في التشبّث بهذه «الدائرة الأوسع» (شكلا) لكن غاب «محرّك الدوران» (الاسلامي) الذي اعتمده الغنوشي في تأصيله السابق، لنلاحظ أمرين خطيرين:

أوّلا: إغفال أو هو رفض، إن لم نقل قطيعة مع أيّ قراءة تاريخيّة لمسيرة النهضة، خارج منطق التفضيل المسبّق والمسقط لأفضليّة نقطة الوصول في ذاتها على «عمق عقيدة التأسيس» [أيّ تقديس جمال الصورة] في تناس وتغافل بل هو الالغاء السيكولوجي لحجم التنازلات المرعبة التي أدّتها الحركة سواء في علاقة بما هي «المرجعيّة الدينيّة» [وإن كان ضمن البعد الأخلاقي من التديّن]، أو ممّا هي السياسة في بعدها تحصيل المنافع ودرء المكاره.

ثانيا: المزاوجة بين منظومتين ذهنيتين لا علاقة لهما بالواقع البشري، بمعنى السياسي العادي والمقبول والذي به سارت البشريّة منذ الأزل، حين يتمّ تبرير أيّ «قفزات» مهما كانت بما هي «الغاية المفترضة» من وراء القفز، كما تقديم «جماليّة القفز» (أو التنازل) غاية في حدّ ذاتها، ممّا يمكننا من استعارة لفظ «السياسيّة الذهنيّة» [عن «المسرح الذهني» لتوفيق الحكيم]، أيّ المسرح/السياسة المتخيّل والذي يؤخذ في جانيه الفكري/الذهني بالمعنى الجمالي دون علاقة بالواقع، حين حدّدت النهضة دائمًا أفعالها بما هي «مصلحة البلاد»، دون تحديد سقف لا يمكن تجاوزه أو قاع لا يمكن الهبوط أسفله من أجل هذه «المصلحة المفترضة».

على النقيض الأخر من النهضة نجد «طارق رمضان» قد أمسك هو الآخر الدائرة الأوسع من الفكر الغربي مثله مثل الغنوشي، بل زايد على الغنوشي حين استوعب هذه الدائرة وهضمها، بل جعل منها سيفا على الغرب، وليس وسيلة انبطاح له. أمسك طارق رمضان بهذه الدائرة الأوسع واعتمدها أداة تفكيك للماكينة المرعبة للغرب، التي سلطها الكاتب الفرنسي من أصول إيطاليّة «أوليفي رافانيلّو» Olivier Ravanello في الكتاب الحوار الذي أجراه مع راشد الغنوشي تحت عنوان «في الشأن الإسلامي» Au sujet de l’Islam، [انقر هنا للاطلاع على قراءة لهذا الكتاب]، حين انبنى الكتاب أو هو قام في اتجاه واحد، أيّ «حاكم تحقيق» أشبه أو هو ما كان يجري أثناء القرون الوسطى في «محاكم التفتيش»، من اتهامات مباشرة إلى راشد الغنوشي الذي لم يغادر طوال الكتاب دون استثناء موقع «الدفاع/التبرير»، أي [بصريح العبارة] ذلك السعي الأقرب إلى الهوس لإخراج «صورة تسويقيّة» لذاته وللنهضة وللإسلام السياسي [وفق قراءة الغنوشي] قادرة على إرضاء عنصريّة «حاكم التفتيش» (هذا) الذي بالغ في الكبرياء كلّما بالغ راشد الغنوشي في البحث عن هذه «التقاطعات المفترضة»…

couvدخل طارق رمضان السجن مؤخرًا لسبب تفوقه على راشد الغنوشي، بل هو في عالم أرقى، حين فكّك هذا العالم طوال حياته «أسئلة التفتيش» في الضمائر، بل كسر ودمّر دائمًا وأبدًا «لسان الإتهام» وقلب الاتهام إلى مرسله، بل الأخطر أنّه يفعل ذلك وفعل دائمًا من منطق «إيمانه الديني» (الاسلامي) ومن «خلال أدوات الغرب» (ذاته)، وهو ما عجز عنه راشد الغنوشي طوال حياته، أو على الأقل منذ 14 جانفي 2011، حين لم يمارس «الهجوم المعاكس» مرّة أثناء هذه الفترة، بل كان همّه تفادي الضربات من خلال البحث في «التخريج اللغوي» عن حلّ يجعل الذئب «رافانيلّو» يشبع حدّ البشم، ولا ضرر إن ذهب «قطيع النهضة» نحو الفناء.

في مقابل سجن طارق رمضان في فرنسا، جاء الرئيس الفرنسي ذاته في ذات الفترة تقريبًا ليعلن في «نوّاب الشعب» أنّ «إسلامهم يوافق معاييره»، كما وافق «إسلام الزوايا» زمن الاستعمار مصالح هذا المستعمر، بما زرع من دجل وتسليم بالخرافة، كانت في ركاب منظومة استعماريّة بكامله، ليقوم النوّاب مصفقين على بكرة أبيهم أمام هذا «الإعتراف» الذي زاد الرجال منهم «رجولة» والإناث بهاء وجمال…

رجوعًا إلى التاريخ، يثبت أمامنا بما لا يدع للشكّ، أن التراجع أمام الغربي ومحاولة انتزاع (بأيّ ثمن كان) «شهادة حسن سيرة وسلوك»، لم يقدّم لفاعله سواء مزيدًا من السقوط إلى درك أشدّ، حين لا يقدّر الغرب «الصورة» التي يريد الغنوشي تسويقها عن ذاته، علمًا أن الغرب يدّعي (منذ الإغريق إلى يوم الناس هذا) أنّه الأرفع قيمة على المستوى المعرفي، ومن ثمّة تكون «صورة الغنوشي» (لدى الغرب) ليس كما رسمها الغنوشي في طبعة أقرب إلى «الحواريين» [في طيبتهم] بل هو يقين الغرب الذي لن يستطيع لا الغنوشي ولا غير الغنوشي زعزعته، بأنّ الغنوشي لا يزال وسيبقى في كنهه وماهيته ونخاعه «قطبيا» يؤمن بالحاكميّة ويريد ربح الوقت لتمرّ «العاصفة» (التي تترصده وتتهدّد حركته) ليكون العود إلى «التمكين» الذي لا يزال راسخًا في أعماق أعماق حركة النهضة….

الفرق بين الغنوشي وطارق رمضان بسيط وسهل الوصف: الأوّل يبحث عن مكان تحت شمس الغرب ومكانة «وظيفيّة» ضمن توزيع الأدوار المحلّي والاقليمي والدولي، في حين أنّ الثاني افتكّ حيزًا، ليس فقط بالقوّة، بل بأنّ ادّعى وعامل «أعداءه في الغرب» على أنّه صاحب حقّ وأصيل وليس ذلك الدخيل الذي يرضى بالجلوس أمام «حاكم تفتيش» يدقّق في النوايا ويجرّم مجرّد الأماني المفترضة.

ليس تنجيمًا ولا ضربًا في الرمل أو قراءة الأقداح، بل من باب الاستئناس بالتاريخ وقراءة التجارب الماضية: كّل تجارب مجاراة الغرب والبحث عن رضاه والعمل على «توريضه» من خلال المناورة وترك المواجهة، جميعها باءت بالفشل أو هي تحّوّلت إلى مأساة لم يشفع لدى الغرب الشلال من التنازلات، بدءا بصدّام حسين الذي تراجع [وإن كان ناور أفضل من الغنوشي] فكان مصير نظامه الإسقاط ومصيره حبل مشنقة أوّل يوم عيد، أو هو ياسر عرفات الذي كلّما تراجع خطوة طالبوه بعشرة من أمثالها، فكان مصيره أن أذلّه أبو مازن، وبعض سمّ في دوائه دسّه من حسبه «الختيار» أقرب مقرّبيه…

بخصوص النهضة ومصير الغنوشي، المعادلة مرتبطة بالحدّ الذي يقبله «الشيخ» لذاته في صورة «الخطّ الأخير» لسيل أو شلاّل التنازلات التي انطلق فيها خصوصًا بعد 14 جانفي، أو هي جملة التفاعلات داخل حركة النهضة، التي لا يمكن الجزم بأنّ جميع «الإخوان» على قلب رجل واحد وراء الغنوشي أو هي تنظر بعين المحبّة والرضا إلى «فريق أوسلو» (في نسخته النهضويّة) الذي أشبه بصائب عريقات حين قال :«لا بديل عن المفاوضات إلاّ المفاوضات»، سيكتب لطفي زيتون في مذكراته (إن كان يحسن الكتابة) :«لا بديل عن المناورة والتنازل إلاّ التنازل والمناوة»…

سؤال (غير) بريء: من (س)يلعب دور «أبو مازن»، ومن بصدد لعب دور محمّد دحلان؟؟؟


5 تعليقات

  1. رضا النشرقس

    استغرب ان يكون كاتب هذا مفكر أو مجرد صحفي حشو أفكار لا ترابط بينها بنى نتيجة وأراد أن يصل اليها. لا أعرف لماذا كثرة الأقواس والقفين.
    أردت أن أعرف ما معنى كلمة توريض؟؟

    • frعبدالقدوس

      لنفترض انك لست غنوشا انك لا تفهم نظريه النسبية لا يعني انها هراء

  2. frعبدالقدوس

    لا فظ فوك

  3. محمد الهميلي

    هذا النوع من الكتابة بعبر عن عقدة نفسية لدى الكاتب و لعل السيد المحترم قد اصبح خشبي اللغة و المعاني بمعنى أن تعبيراته قد جاءت مشبعة بالجفاف المعنوي اللغوي حتى صعب استيعابها ، فكان صاحب المقال يستعمل مفردات مكثفة توحي بان ناظمها يفكر بقوة النص اللغويةعوض أن يفكر في الاقناع بمحتوى المقال ومفهومه . جاء المقال خليطا من التنفيس عن العقد و المواقف الكامنة بداخله و إيحاءا بأن السيد بن جديد “ما يعجبوش العجب و لا الصيام في رجب ” المقال يحتوي على تلبيس وتزييف للحقائق .

    • ما قلته سي الهميلي ينطبق على ما كتبت اكثر من انطباقه على ما قرأت، وعبثا اقنعت نفسك انك لم تفهم. مع الشكر

اترك رد

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي