أحمد الريسوني : دلائل صهينة الفكر السياسي المغربي.

29 أغسطس 2022

بعيدًا عن الجزم، بأنّ خطاب أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، عن وجوب أن تسترجع المملكة المغربية مساحات جغرافيّة يراها هذا العالم ضمن «المغرب التاريخي»، كان وليد اللحظة ومن بنات أفكاره، أو هو من «وحي» جهات بعينها. كذلك بعيدًا عن كل محاولات القفز البهلواني بأنّ كلامه لا يلزم سوى شخصه أو هو ملزم لمنصبه ومن ثمّة للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وبعيدًا عمّا إذا كانت دولة قطر «الراعي الرسمي والحاضن الأوّل والأكبر وأساسًا الوحيد» لهذا الهيكل الجامع لأهمّ العلماء المسلمين، على علم أو هي شريك في ما صدر، أو كانت «المفاجأة» لدى قيادتها التي تلقت الأمر أسوة بجميع المتلقين. بعيدًا عن كلّ ما تقدّم درءا لشبهات الغوص بل هو الغرق في «نظريّة المؤامرة»، يمكن الجزم دون أدنى نقاش أنّ الرجل لم يفعل سوى اسقاط رؤيته وهي أساسًا الرؤية «العميقة» للنظام المغربي على واقع سياسي قائم راهنًا، في محاولة لمحو الجغرافيا السياسيّة القائمة لفائدة «حلم» يستهدف دول المنطقة خدمة لمشروع استفاق من قمقمه، على قاعدة اختصار الزمن أو هي عملية «مونتاج»، تجمع ما يراه الرجل وما تشاركه فيه قطاعات غير هيّنة من النخب المغربيّة، بين «لحظة الصفر» أي نقطة عنفوان المجد التاريخي المغربي، من جهة، وواقع قائم راهنا، تعاني فيه «دولة المغرب» الأمرّين للحفاظ على ما تدّعي أنّها أرضها، أيّ الصحراء الغربيّة، وكذلك تعضّ الطرف بعدما أسقطت من عمليّة «المونتاج الزمني» هذه، أراضي سبتة ومليلة، الواقعتان شمالا تحت استعمار اسباني، لا يبدو أنّه معني بأقوال العلاّمة أحمد الرنتيسي البتّة.

أحمد-الريسوني-1كذلك تفاديا لخطر السقوط في مستنقع نقاشات سفسطائية، عمّا هو «مشروع» من منظور تاريخي متعلّق بتلابيب الحلم بهذا المشروع، يمكن طرح سؤالين على قدر كبير من الأهميّة :

أوّلا : من يتولّى تحديد «نقطة الصفر» هذه، التي وجب الرجوع إليها، واعتبار تجسيدها «فرض عين» يستوجب الجهاد وبذل الغالي والنفيس من أجله. مع التأكيد أنّ ما يراه هذا العالم الجليل لا يتوافق بالضرورة مع ما تراه جهات أخرى داخل دولة المغرب، ومن ثمّة من هي الجهة الفاصلة، داخل المغرب على الأقلّ. علما وأنّ البعض من أهل المغرب الشقيق قد يرى، أنّ «نقطة الصفر» تعود إلى «معركة الزلاّقة» التي دارت يوم الجمعة 12 رجب 479 هجري الموافق لتاريخ 23 أكتوبر 1086، واستطاع فيها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين قائد المرابطين إلحاق هزيمة نكراء بجيش يقوده ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون. وقعت المعركة بعد تردي أحوال الأندلس، والتي أدت لخضوع ملوك الطوائف لسلطة ألفونسو السادس ودفع الجزية له….

لسائل أن يسأل : ما هي التأثيرات التي ستتأتّى من إعلان «أمير المسلمين» الحالي، أيّ جلالة الملك محمّد السادس، أنّ «لحظة الصفر» تعود إلى يوم الجمعة 12 رجب 479 هجري، أيّ لحظة وقوع معركة الزلاّقة، بمعنى أنّ الجيش الملكي المغربي سيزحف أوّلا لتحرير سبتة ومليلا لأسباب استراتيجية، ومن بعدها عبور المضيق كما فعل طارق بن زياد، أو قد يحرق سفنه ويرفد الأمر بخطبة تسير بها المحطّات الفضائيّة؟

ثانيا : ما الذي يمنع دولا أخرى من إعلان «لحظة صفر» بدورها، والأخطر أن تتقاطع هذه اللحظة مع ما للطرف المغربي، بمعنى أن يعود أحدهم إلى لحظة وصول عقبة بن نافع إلى المحيط الأطلسي؟

صراع «اللحظات التاريخيّة» شديد الخطورة على وعي الشعب (المغربي) ذاته، حين يخرج بالذاكرة الجامعة من مرارة الواقع اليومي المعيش، وما هو الوضع الاقتصادي المتأزم، معطوفا على انسداد الأفق الاجتماعي والتوتّر السياسي الناتج، الذي بدأ يدفع إلى طرح «الشرعيّة الملكيّة» موضع السؤال، ومن ثمّة يكون اللجوء إلى «مخدّر تاريخي»، على اعتبار أنّ «حلاوة استرجاع الماضي» تكفي بل تعوّض وقادرة (إلى حين) على ملء الفراغ الرهيب الذي تعيشه المغرب راهنًا.

الاستعاضة عن الواقع الجغرافي المرير بالحلم التاريخي المجيد، لعبة انطلق منها المشروع الصهيوني البغيض، حين أسّس كامل «الحلم» على اسقاط حلم التاريخ (المختلق) على واقع جغرافي (مخترق)، ليكون من أوّل دلائل وجوده نفي واقع الجغرافيا السياسيّة المستهدفة من خلال المشروع، مثلما فعل العلاّمة أحمد الريسوني الذي استثنى الجزائر وموريتانيا والصحراء الغربيّة، بمعنى أنّ شعوب هذه «المساحات الجغرافيّة» حين نزع عنها هذا العلاّمة أي صفة سياسيّة مستقلّة عن «المركز المغربي»، لتكون الشعوب مخيّرة (أسوة بالمشروع الصهيوني في فلسطين) بين الخضوع بالكامل للشرعيّة الملكيّة المغربيّة، وبالتالي اقتلاع جذورها من تاريخها لفائدة «أسطورة الإرث المغربي»، أو (أسوة بالمشروع الصهيوني في فلسطين، كذلك) «المغادرة» أيّ «الترانسفير» وفق معجم عصابات الهاجانا وشتيرن في فلسطين.

سؤال فقهي إلى العالم الفقيه أحمد الريسوني :

هل يجوز (وفق فقه الضرورة والمحرٍّمات) الاستعانة بمن هم «أصدقاء المغرب» أيّ «الصهاينة» بغية الرجوع إلى «نقطة الصفر» التاريخيّة والانطلاق منها نحو حاضر متخيّل لا غير؟؟؟؟


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي