إلى وزير الصحّة: تونس (العميقة) تبحث (دون جدوى) عن الصحّة….

26 ديسمبر 2015

تأكّدت الصورة وترسّخت حتّى أصبحت «الحقيقة الطبيعيّة» أو بالأحرى التي لا تقبل النقاش:

صارت تسمية «المواطن» سواء نسبة إلى «الوطن» أو مشتقّة من «المواطنة»، لا تحمل المعنى ذاته ولا تحيل إلى نفس الدلالة. بل استعمال دارج لا غير.

لكن الأكيد وما لا يقبل الجدل، أن «التفاوت» لا يأتي على صورة واحدة، أو هو اسقاط عمودي، بل دوائر جدّ متداخلة، لا يمكن تبسيطها من خلال توصيفات عامّة، خصوصًا على مستوى «الصحّة» التي فقدت من عقود صفة «العموميّة»، صورة وفعلا.

أوّلا: التفاوت القائم في البلاد، بمختلف درجاته لا يهمّ قطاع الصحّة فقط، بل يشمل كلّ ما تحويه كلمة «التنمية» (ضمن معناها الواسع)، ومن ثمّة يكون من التبسيط، أن «نمسك» قطاع الصحّة ونجعله «القضيّة الوحيدة»…

ثانيا: التفاوت قائم بين المدن الساحليّة أو بالأحرى بعض المدن الساحليّة، وبقية البلاد، لكن هذه الصورة «التبسيطيّة، عاجزة عن تقديم الحقيقة، حين تأتي مناطق تقع (جغرافيا) ضمن هذه «المدن المحظوظة» أقرب إلى داخل البلاد.

ثالثًا: يرتبط التفاوت بالمستوى الاجتماعي وبالقدرة (الماديّة) على تأمين «كلفة العلاج»، حين تراجعت الدولة عن الكثير من المكتسبات، في مجال الصحّة والتعليم وغيرها من مرافق الشأن العام، وكذلك رفعت من كلفة العلاج في الدوائر العموميّة، لتجعله يقترب من الكلفة ذاتها في القطاع الخاص…

من ذلك وجب أن نعترف بأمرين:

أوّلا: لا يمكن أن نحمّل الوزير الحالي، مصائب عشريات سابقة حين عمدت الدولة عن قصد ودراية وتدبير إلى التخفيض من الخدمات المجانيّة المعروضة أمام المواطن، أساسًا في المناطق المحرومة، بل يمكن الجزم أنّ شبكة المستشفيات ومراكز الصحّة بدرجاتها، تراجعت كثيرًا ومن ثمّة لم يعد المواطن يجد الحدّ الأدنى المطلوب (وفق معايير الأمم المتحدة) داخل مراكز الاستشفاء العمومي، سواء لعدم وجود الخدمات، أو (وهنا الخطورة) لعدم القدرة على الدفع، سواء لضيق الحال أو عدم التمتّع بأي تغطية اجتماعيّة.

ثانيا: في غياب القدرة والقرار على رسم سياسات استراتيجية (في كلّ المجالات) يمكن الجزم أنّ أقصى ما هو ممكن (ومطلوب) من أيّ وزير هو البحث عن حلول «ترقيعيّة» والسعي إلى «تدوير الكراسي» وليس معالجة المسألة من العمق، سواء على مستوى العود إلى عقيدة «دولة الاستقلال» من «تعليم مجاني وصحّة للجميع»، أو رسم الخطط العملية لذلك.

من الهراء (مع الاعتذار عن اللفظ) مطالبة أيّ وزير (في هذه الحكومة كما الحكومات السابقة وربّما القادمة) بغير «الحلول الترقيعيّة»، سواء لعجز في الفهم لدى «أولي الأمر» أو رفض للفهم أو عجز عن تحمّل المسؤوليات (ضمن المعنى الأخلاقي للكلمة).

في المقابل، لا يمكن في بلد، ثار فيه الناس من أجل «الكرامة» (ضمن المعنى الواسع للكلمة)، أن يبقى حال المستشفيات كما هو، حين ازدادت ترديّا بحسب عديد الشهادات، لأنّ المصيبة في تونس تكمن في «المغالطات المقصودة»، أيّ أنّ «سقوط الطاغية» لم ينه التفاوت في الحظوظ والتباين في درجات المواطنة، وكذلك (وهنا المصيبة) لم يؤسّس لأيّ بادرة، ولم يزرع أيّ بذرة، في اتجاه «صياغة مجتمع الكرامة»….

سعيد العايدي

سعيد العايدي

سعيد العايدي العائد من فرنسا بلكنة تُحيل على «معمّر» جاء يستوطن البلاد، عاجز عن الفهم أنّ «ثورة» (دون نتائج) لا تهمّ الجائع في أقاصي القصرين أو المريض دون علاج في فيافي مطماطة، وكذلك لا يملك «الفرد» تلك القدرة التجريديّة (المستوردة من فرنسا) القادرة على جعل «صورة الدولة» أي ما يسمّى «هيبة الدولة» بديلا عن الدولة ذاتها….

لم يفهم هذا الوزير أنّ الفرد المريض (في أيّ بقعة في تونس) لا يمكنه تصديق النوايا غير المسنودة بالشروع في التطبيق أوّلا، وثانيا (والأخطر) أنّه لم ينل (منذ 5 سنوات) سوى الوعود التي تنسخ الوعود، منذ أن تمّ دفع بن علي داخل الطائرة، وقيل له أنّها «الثورة»…

سعيد العائدي، لم يفهم ولن يفهم، وهو ومن معه في عجز كامل عن فهم المعادلة:

لا يمكن أن نستورد من فرنسا «ماكينة صناعة الصورة الديمقراطيّة» دون صياغة (القدرة على صياغة) أصل الصوة، أي ذلك المشروع الضامن للحدّ الأدنى من «الكرامة»… أيّ لا يمكن للحديث عن «الكرامة»، أن يعوّض الحاجة إليها أو اليأس منها…

صراع قناعات وحرب إرادات، بين مركز استحوذ على «14 جانفي» رمزًا له وصار يمنّ على «17 ديسمبر» ببعض القطرات أو هو الفتات…

من السذاجة حصر المسألة في موت امرأة أو غياب التجهيزات في هذا المستشفى أو رفض أطباء الاختصاص العمل في الدواخل الفقيرة والمهمّشة والعاجزة عن تقديم فرص الاثراء السريع والفاحش، حين يعجز عقل «الفرد» عن هضم هذه المعادلة وفق نظريات «معالي الوزير ومن معه» المكتفين بما هي «العبرة بالمحاولة» أو أهميّة صناعة «صورة الدولة» وكذلك «هيبة النظام»…

الفرد يطرح أسئلة واقعيّة ويبحث عن أجوبة فعّالة، لا همّ له السقوط في نظريات تأبيد السؤال ولا مصلحة له في (محاولة) فهم «مسوغات التخلّف» المفعمة بعبق «الثورة» أو «التحاليل» المشفوعة بالقراءات الأكاديميّة…

أخطر من الشرخ القائم أنّه يتعمّق وأخطر في العمق المتزايد أنّه لا يقسم البلاد بل يفتّت المجتمع، لأنّ التقسيم بين من «هم فوق» ومن «هم تحت» عقليّة وليس واقعًا فقط…. الكلّ يريد أن يكون الفوق، ومن هم فوق يبيعون الوهم، وقد شحّت بضاعتهم…

صورة أشبه بنهاية سنة 2010، مع تمطيط في الزمن بحكم قدرة وسائل الاعلام على التخدير والتلهية…


32 تعليقات

  1. “صورة أشبه بنهاية سنة 2010، مع تمطيط في الزمن بحكم قدرة وسائل الاعلام على التخدير والتلهية…”
    فعلا ما نعيشه صورة او مشهد يسوقه المخلوع لرعياه في المناطق المنكوبة بيع الوهم ، بعبارات جميلة و رنانة استهلكت و أصبحت تدل على عكس المعنى .
    حين نرى و لمدة اكثر من اربع سنوات زيارات عديدة و متعددة لوزراء بنفس الوعود و الكلمات المستهلكة التي حفظها المواطن البسيط عن ظهر قلب ، نفهم ان هؤلاء الوزراء تواصل لسياسة الزعبع الهارب .

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي