من جلد الثور إلى وثيقة قرطاج: للمماطلة ومآرب أخرى…

28 مايو 2018

رغم التمطيط والتقلّب الذي يأتي أقرب إلى الأعمال الدراميّة، لا يزال السباق المارطوني وراء «وثيقة قرطاج 2» في عجز عن شدّ الجمهور التونسي المتوزّع كما جرت العادة إبان شهر رمضان المعظّم، بين المسلسلات والبرامج التلفزيّة من جهة، والمقاهي وما توفّر من مباريات كرة القدم. الصحافة ووسائل الإعلام كما جمهرة المحلّلين والخبراء وغيرهم ممّن يدّعون المعرفة بدواخل السياسة وبواطن الأمور ، عجز جميعهم عن تحويل هذا المشهد السريالي/العبثي إلى «فرجة» تليق ـ على الأقلّ ـ بما هي (افتراضًا) «ديمقراطيّة» معتمدة في البلاد.

عندما نوسّع دائرة المشاهدة وعندما ننزع دون النفس الملحمي الضروري لضمان التسويق لمادّة إعلاميّة رتيبة ومملّة، يبدو بما يدع للشكّ أنّ رهانات «وثيقة قرطاج 2» لا تخصّ خيارات سياسيّة سواء بالمفهوم الاستراتيجي (أيّ الايديولوجي) أو حتّى السياسي المباشر، رغم إدراج 64 نقطة ضمن هذه الوثيقة تخصّ «أهداف» أتت تلبية (على المستوى النظري والخطابي) للانتظارات الأساسيّة لعمق شعبي أدار الوجه ولم يهتمّ بأيّ من هذه النقاط.

كلّما تقدّم الزمن وذهب المتنافسون في عراكم، يبدو بما لا يدع للشكّ، أنّ الصراع يخصّ الكراسي لذاتها والمناصب على اعتبارها مصدر للسلطة وما تمكّن من نفوذ، سواء تعلّق الأمر بالجاذبيّة التي تملكها هذه الكراسي أو (وهذا الأهمّ) ما هي رهانات السيطرة على مقادير البلاد وما هو تأكيد لتوازنات قائمة منذ دولة 55 (على الأقلّ) وما يعني ذلك من توزيع للمنافع والخيرات.

على عكس الديمقراطيات العاديّة أيّ الراسخة والمستقرّة، لا يملك المشهد القائم في تونس ما يمكن أن نسميه «الخيط الفاصل» بين أطراف تتصارع من خلال أدوات ديمقراطيّة، من أجل تحقيق الغلبة. ليس هناك «جبهة صراع»، بل «شقوق» (بأتمّ معنى الكلمة)، حين نرى حركة «نداء تونس» أو ما تبقى منه في شكله الحالي، والذي فوّض يوسف الشاهد لمنصبه الحالي وسانده وزكّاه ووقف وراءه للحصول على مباركة «مجلس نوّاب الشعب»، هي الأشدّ إصرارًا على إزاحة يوسف الشاهد، بل جعلت من ذهابه شرطا وجوديا لمواصلة العمل السياسي المشترك. الأدهى والأمرّ من هذا التشخيص العجائبي أنّ الاتهامات جاءت من قبل هذه الحركة لهذا الرجل بالعجز وأساسَا بانعدام الانجازات، كما عبّر عن ذلك حافظ قائد السبسي من خلال نصّه الذي بقي علامة مميّزة عمّا هو عليه «الفكر السياسي» كما الممارسة، إن لم نقل الرؤية والتخطيط.

HKSيفسّر البعض من المدافعين عن المشهد السياسي القائم أو هي اللعبة السياسيّة بأنّ «التدافع» ليس فقط يمثّل جزءا مؤسّسا لما هي «الديمقراطيّة» بل يصرّون أنّ لا وجود لديمقراطيّة دون هذا «الصراع»، في تناس أو تجاوز وإغفال لأمرين:

أوّلا: أن الديمقراطيات المستقرّة تشهد صراعات بين العائلات السياسيّة على أساس سياسي أو على الأقل وفق «فوارق فلسفيّة»، في حين أنّ الصراع القائم راهنًا في تونس لا علاقة له البتّة بأيّ شأن سياسي، سواء في علاقة بالممارسة السياسيّة، أي الحكوميّة، أو الخيارات في بعدها الأوسع.

ثانيا: الصراعات داخل نداء تونس، حين نرتب الصراعات وفق سلّم العنف اللفظي، هي الأقوى والأشدّ، بل تأتي المحدّد الأوّل والأهمّ لجبهة الصراع الأكثر أهميّة، وعلى أساسها تقوم المواجهة.

 

رغم الإصرار على المحافظة على «الستار الديمقراطي» لما هي هذه المواجهات السياسيّة، ورغم حرص الطبقة السياسيّة بكاملها على اعتبار «وثيقة قرطاج 2» ليس فقط الحلّ، بل هي «الخلاص» بالمفهوم الديني من جميع المشاكل، إلاّ التجارب السابقة، على الأخصّ حكومة الحبيب الصيد، حين يمكن الجزم أنّ ما جدّ حين سقوطها، لا يعدو أن يكون سوى سيناريو (مع بعض الفوارق) ممّا نراه اليوم…

 

تملك الطبقة السياسيّة التونسيّة أو على الأقلّ المتورطة في الشأن الحكومي، قدرة كبيرة على النسيان ومعاودة الأخطاء ذاتها، حين لا تتعظ من هفوات الماضي، حين نلاحظ أنّ «سيناريو الشاهد» لا يعدو أن يكون سوى نسخة معدّلة من «سيناريو الصيد». كذلك (وهذا الأخطر)، تجد هذه الطبقة صعوبة متزايدة ليس فقط في الظهور في شكل «ديمقراطي مقبول» (في حدّه الأدنى)، بل في اقناع العمق الشعبي متزايد بأنّ الممارسة تحترم الأصول الديمقراطيّة المعلنة وكذلك أنّ هذه الطبقة تعمل من خلال صراعها من أجل «الصالح العام».

لا تعلم هذه الطبقة السياسيّة أو هي غير معنيّة على مستوى الوعي المباشر والفاعل بأنّ العمق الشعبي يتراوح أو هو بالأحرى أسير صورتين: من ناحية هذا العمق الشعبي عديم الاهتمام بهذه «الحرب الفوقيّة» التي لا تحوز أدى متابعة، بل هناك «ترذيل» للعمليّة السياسيّة برمّتها، ومن ناحية أخرى تتباعد العلاقة بين «القيادة السياسيّة» من ناحية وعمق شعبي، هو افتراضا من انتخب واختار هذه القيادة.

تبدو الطبقة السياسيّة أو هي كذلك، منغلقة على ذاتها، دون وعي وإدراك أو هو اليقين بأنّها أشبه بمن يداوي عطشه بمزيد شرب ماء البحر، ومن ثمّة يأتي السؤال ليس عن مآل «وثيقة قرطاج 2»، بل عن موعد انفصال ما يتبقّى من خيط (ديمقراطي) يربط بين طبقة سياسيّة لا يذهب نظرها أبعد من قصري قرطاج والقصبة، وعمق شعبي لا يصدّق الخطاب السياسي حين جاء الواقع الاقتصادي وكذلك الاجتماعي لا يحتاج إلى تفصيل.


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي