حديث بعض الفرنسيين أو كثيرين هم عن «انفراج في العلاقات المتوترة» بين باريس والعاصمة الفرنسيّة، يتطلّب بدءا تعريف المعاني والدلالات كذلك للفظ «انفراج»، الذي وجب (وإن كان الاختلاف قائمًا) أنّه يعني عدم الذهاب به إلى أقصى ما يريد أكثر من طرف في فرنسي. سواء من يعتبرون أنّ الحوار الهاتفي الذي تمّ بين رئيسي البلدين، لا طائل من ورائه أو من يذهبون عكس ذلك أنّ الأمر أشبه بعصا سحريّة مسّت هذه العلاقات لتجعل منها بردا وسلامًا…
يكمن السؤال الأهمّ والمحدّد لجدلية العلاقة بين ضفتي المتوسط، عن ماهيّة «التفاؤل» التي من «المعقول» الترويج له، وإن كان من باب أنّ «التفاؤل بالخير» قد يجعله حقيقة…
قراءة «باردة» بمعنى منزوعة من أيّ عاطفة، تثبت إثر 63 سنة استقلال الجزائر يجد أنّ العقل الجمعي سواء لدى دوائر الحكم في باريس أو الطيف الغالب من المثقفين ومن هم في حساب «النخبة» الماسكة لدواليب السياسة والفكر وكذلك الثقافة، يرون أنّ ما يجري في الجزائر يهمّ فرنسا على اعتباره من «أمورها الداخليّة»، أيّ لا أحد من هذا الرهط، يشعر بأيّ ذنب مهما كان وهو يناقش أقلّ المسائل الداخليّة أهميّة على أنّها «أمّ المسائل» لدى الفرنسيين…
من باب العقل والقراءة الموضوعيّة للمشهد القائم وما هو قادم من أحداث، الجزم أنّ المطلب الذي لا يتجاوز حدود الواقع، دون الجنوح إلى الخيال، يكمن في السعي إلى عدم توسيع دائرة الخلافات والانزلاق إلى متاهات (قد) تنزل بالعلاقات إلى درك لا يمكن تخيله…
بعقل مايكيافي بحت، لا حاجة لفرنسا بالدخول في «معركة دبلوماسيّة» مع فرنسا. كما أنّ الجزائر لا تنظر إلى العلاقات مع المستعمر السابق، من زاوية «الصدام» حتمًا…
العقل السياسي الماسك لدواليب السلطة في الجزائر العاصمة معني فقط بإقناع العقل السياسي الماسك لدواليب السلطة في باريس، بأنّ فرنسا لم تعد من دانكارك إلى تمنرست، De Dunkerque à Tamanrasset، كما نادى غلاة المستعمرين وحلموا بأنّ الأمر سيدوم إلى أبد الأبدين.
عندما تنظر إلى تصرّفات وزير الداخليّة الفرنسي الحالي من منظور سيكولوجي بحت، نجد أنّه يستبطن «علاقة خاصّة» تربط أو لا تزال تشدّ بلده إلى درّة التاج (الاستعمار) الفرنسي، حين لا يزال يذكر «خراب الاستعمار» ومغادرة هذه البلاد في حرقة لا مثيل لها.
من المنتظر أن يزور وزيرا الخارجيّة والعمل في الحكومة الفرنسيّة الجزائر العاصمة في الأيّام القادمة، ومن الطبيعي أن يسألهما الطرف الجزائري إن كان وزير الداخليّة الحالي هو وزير في حكومة بلد يرأس السلطة التنفيذيّة فيها شخص اسمه إيمانويل ماكرون، بسبب تزايد الفارق أو هو بالأحرى التباعد بين الخطاب الرسمي الفرنسي، الذي يمكن الجزم أنّه وإن كان لا يقدّم «حلاّ» شاملا، لا يسعى (على الأقلّ) في الأيّام الأخيرة إلى التصعيد بل بدأ ينظر الأزمة من زاوية «تخفيض» التصعيد، في حين لا يزال وزير الداخلية على موافقه الدنكشوطيّة (نسبة إلى دنكشوط)…
هو عجز مزدوج في العاصمة الفرنسيّة: عجز إيمانويل ماكرون عن قبول تصريحات وزير الداخلية في بلده، على أنّها تمثّل السلطة التنفيذيّة التي هو رأسها. كما هو عاجز أو بالأحرى يعتريه خوف من إقالة هذا «المغرّد خارج السرب»، خاصّة أمام الارتجال الذي يطبع العلاقات بين الأحزاب الممثلة في «الجمعيّة العامّة» (البرلمان) وأكثر من ذلك «حرب الاستنزاف» التي تبدو «بشائرها» بين سلطته من جهة، وحزب «التجمعّ الوطني» حين حرم القضاء زعيمته مارين لوبان من حقّ الترشّح إلى الانتخابات الرئاسية لسنة 2027، التي صرخت ولا يزال صوتها عاليا بأنّ في الأمر «مؤامرة» خططت لها دوائر الرئيس ماكرون ونفذّها قضاة «يسيرون في ركاب السلطة».
يمكن فهم «الأخلاق الحميدة» التي صار يرتديها الرئيس الفرنسي، لدى تطرقه إلى الأزمة مع الجزائر، على أنّه مجرّد ترتيب أولويات لا غير: هي «حرب» على روسية لا يعلم أحد مداها، خاصّة وأنّ أوروبا مجتمعة، حين نفترض جدلا قدرتها على الاجتماع عاجزة عن تأمين النصر الحاسم، وإدراك كبار المفكرين الاستراتيجيين في أوروبا بأنّ الهزيمة المنكرة ستكون وبالا على القارة كما أن كلفة الصدام ستكون أبعد من قدرة أوروبا على التحمّل. إضافة إلى الحرب الاقتصاديّة التي أعلنها الرئيس الأمريكي على أوروبا خاصّة، والتي لا تقلّ ضررا عن الحرب العسكريّة في أوكرانيا.
امام هذا المشهد السريالي حين تجد فرنسا نفسها مجبرة على مواجهات من الممكن أن تدوم طويلا جدّا، والحال أنّه الحروب لم تنطلق بعد مجبرة على «مصادرة» أموال «الغلابى» من الفرنسيين، بغية تمويل هذه الحروب في شوطها الأوّل أو هو قبل اندلاع المواجهات أصلا…
أمام هذا المشهد تصبح «الحرب على الجزائر» والتي أطلقتها باريس رغبة في تركيع هذه الدولة التي تريد اللعب والتحرّك خارج مجال المصالح الفرنسيّة