الحرب في ليبيا ليست «ماتش» كرة قدم.

31 مايو 2020

الصراع الدموي الدائر في ليبيا بين الطرفين المشاركين في القتال، يلقي بظلاله على مجمل الفضاء العربي وحتّى الإسلامي عمومًا.

هذا الاسقاط الظلّي، يأخذ في تونس طابعًا شديد الحدّة، حين أذكى في الآن ذاته «الصراع الداخلي» في تونس، وصارت المعارك الدائرة في ليبيا، تجد صداها أو ارتداداتها العميقة لدى هذه الدولة الجار، وكذلك أصبح كلّ طرف في ليبيا يعوّل على حلفائه في تونس، ليكونوا امتداده الإعلامي، وكذلك (عند الحاجة) القاعدة الخلفيّة.

كلّ طرف بفعل العداوة والدم الذي سال، يذهب في «تقديس» الذات أبعد ما استطاع ويذهب في «تدنيس» الطرف المقابل، في مبالغات تفوق الخيالات. كذلك يفعل الأنصار في تونس. كلّ فريق يشيطن أعداء الحليف، وينسب كرامات أو هي معجزات إلى قيادات الحلف الذي ينتمي إليه.

من عجائب الدهر أنّ من «عتاة القوميين» بل «المتطرّفين» الذين لا يقبلون أيّ نقد أو مجرّد مناقشة منجزات «القائد» (خالد الذكر) جمال عبد الناصر، يجدون رابطا بين هذا «القائد الأبدي» من جهة، و(البطل الهُمام) المشير خليفة حفتر، الذين يرون فيه خير خلف لخير «سلف» (أي جمال عبد الناصر)، وهم عن عمى أو مرض أو ربّما جهل، أنّ «سيادة المشير» عند إلقاء القبض عليه (دون قتال) في المنطقة المتنازع عليها بين كلّ من ليبيا وتشاد، تسلمته المخابرات الأمريكيّة، ونقلته إلى ولاية فرجينيا، أين أقام ومارس حقه/واجبه (كما يفتخر) في الانتخابات الأمريكيّة.

وجب تذكير عتاة القوميّين ممّن يعتبرون (سيادة) المشير «خليفة» عبد الناصر في الأرض، أنّ من صنعت (من عدم) سيادة «المشير»، أيّ المخابرات الأمريكيّة، هي من حاولت اغتيال جمال عبد الناصر، ولها أيادي في عملية اغتياله عبر مرهم التمسيد.

في الضفّة الأخرى، جانب هام من «ثوّار طرابلس» (بالجملة) حين ينقسمون إلى أكثر من عشرين فصيلا، تعامل وافتخر وتباهى بالظهور والتعاون مع الصهيوني برنارد هنري ليفي، بل شاركت قيادات من هذه الفصائل في شريط توثيقي، ظهر فيه هذا الصهيوني في صورة «المسيح المنقذ» الذي لولاه لكانت طرابلس إلى حدّ الساعة تحت حكم «كتائب القذّافي»…

استراتيجيا، ومن منظور فلسفي، يكرع برنار هنري ليفي من ذات المنبع الروحي والأيديولوجي الذي تستلهم منه قيادات المخابرات الأمريكيّة خياراتها الاستراتيجية، بل ثابت ولا حاجة إلى دليل أنّ الرجل (أيّ برنارد هنري ليفي) يسير في ركاب المخابرات الأمريكيّة، سواء تنظيميا أو في أدناه وظيفيا وفكريا.

هذا العمى في الطرفين، غذّته أطراف عربيّة لا تخفي عداءها الظاهر والعلني والإعلامي للاخوان، أيّ الإمارات ومصر والسعوديّة بدرجة أقلّ لتوجس هذه الأخيرة الريبة من أيّ نظام عسكري، منذ حرب اليمن في خمسينات القرن الماضي ضدّ الجيش المصري.

يبدو في الظاهر أنّ القوميين وكذلك مصر ومن ورائها الإمارات، كلّ على طريقته، ينظر إلى «المشير حفتر» في بعده الوظيفي لا غير. لا مصر تراهن على الرجل بمنطق الوقوف وراءه دون تردّد إلى أخر لحظة، ولا الإمارات تعتبر «منظومة حفتر» أكثر من مرتزقة. بقي على القوميين اختراع «السيناريوهات» دائمًا لإقناع أنفسهم أنّ عبد الفتّاح السيسي يعتبر الرجل قدوة للجيش المصري، أو أنّ «المشير» يمثّل «الخليفة الشرعي» لجمال عبد الناصر، أو أنّ هجومه على طرابلس يمثّل جولة أخرى تأتي لتجيب على «حادثة المنشيّة» الشهيرة…

في طرابلس، لا أحد أو قليل قادر على الوقوف أمام الإعلام والتأصيل من منظور إسلامي (إخواني بالنسبة للبعض) ليس لوضع اليد في يد برنارد هنري ليفي فقط، بل وضع البيضات جميعها في سلّته وتأمينه على مصير البلاد والعباد.

 كما السؤال قائم من منظور أخلاقي/وطني بحت، بعد تصريح قيادات من غرب ليبيا، ترحيبا بتركيز قواعد عسكرية أمريكية في بلدهم، عن السبب الذي يجعلهم «يجاهدون» وكذلك «يستشهدون» من أجل الأرض والعرض، سعيا وراء القضاء على «مرتزقة المجرم خليفة حفتر» (وفق أدبياتهم) ومن ثمّة تسليمها إلى «الشيطان الأكبر»…

عند النظر إلى الدوائر الثلاث : الدائرة المحليّة والدائرة الاقليميّة والدائرة الدولية، نجد أنّ توزيع الدائرة الاقليميّة والدائرة الدوليّة بين الفسطاطين في ليبيا، يأتي مخالفًا لما هو التوزيع الدولي، حين لا يتخيّل أحد أنّ دولة الإمارات العربيّة المتحدة، الحليفة الاستراتجيّة للولايات المتحدة، الضامن الأوّل لأمن الخليج، يمكن أن يتعدّى تعاونها مع الروس في ليبيا أكثر من «الوجود» على ضفّة واحدة، حين جمعت الأرض الليبية بينهما. كلّ يجري وراء مصالحه.

اهتزّ كثيرون طربًا في غرب ليبيا ورقصوا فرحًا بمجرّد أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكيّة «دعمها» لحكومة طرابلس، ورأوا (في خيالاتهم) أنّ الجنود الأمريكان «سيستشهدون» على أسوار برقة أو البيضاء وحتّى بنغازي، لتحرير ليبيا وإرجاع الحقّ إلى أصحابه، ومن وراء الولايات المتحدة، الحلف الأطلسي الذي (فجأة وعلى حين غرّة) «استفاق» ضميره وقرّر دعم الجهد التركي في ليبيا.

القارئ لمجمل الخارطة الليبية في أبعادها الداخليّة والاقليمية والدوليّة، يلاحظ أنّ الولايات المتحدة، تملك يدا في كلّ ضفّة. هي «شريك» تركية في الحلف الأطلسي، في الضفة الغربيّة، و«صديق» كلّ من الإمارات ومصر في الضفّة الشرقيّة، ليكون الهدف الأمريكي توريط كلّ من تركية وروسية في حرب استنزاف على الأراضي الليبية، تفني الطرفين أو تحدّ من قوّة وبالتالي طموح كلّ منها، والحال (من زاوية القراءة الاقتصاديّة، لا غير)، لا روسية تتحمّل وزر حرب في ليبيا ولا أنقرة التي هوت فيها الليرة إلى أقلّ مستوى. فقط الطرفان يستجمعان الأوراق، لإعادة السيناريو السوري، وفق الظروف المحليّة في ليبيا : هدوء تكتيكي ومحاولة قضم محليّة ومحدودة ومدروسة، لا هي ضامنة لسلم راسخة، ولا هي قلبت موازين القوى، مع التأكيد على أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تملك من أوراق التفجير في ليبيا، أكثر بكثير ممّا لها في سورية، وثانية، لا يملك الروس كامل أوراق المنطقة الشرقية وكلّهم يقين أنّ «الماريشال المتقاعد» أقلّ قوّة وأعمى بصيرة وأقّل قدرًا من للرهان عليه مثلما هو الحال مع الحليف السوري في دمشق.

خلاصة : خلافًا لما يبدو، الطرفان الليبيان في شرق البلاد وغربها، مفعول بهما، ودون القدرة على فرض الأوراق على الأطراف الوافدة.

لا الإمارات ولا تركية ولا مصر ولا روسية، (الأطراف المتدخّلة مباشرة في ليبيا) ستضحّي بأمنها القومي وتفرّط في مصالحها الاستراتجيّة، مرضاة لمصالح «الوكيل» (المحلّي). فقط تضارب المصالح وعدم مصلحة أيّ طرف من الأطراف الاقليميّة والدولية في دخول مواجهة عسكرية مفتوحة، سيجعل التفاوض المشفوع بتحرّكات عسكريّة تكتيكيّة، صورة من صور التوازن الهشّ في المنطقة.


اترك رد

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي