تكرير نفايات بن علي: «الجرأة» غير كافية!!!!

19 يناير 2016

منذ اللحظات الأولى لإذاعة خبر مغادرة بن علي تونس، حتّى بدأ «انقلاب» جزء غير هيّن من «رجال بن علي» (أو جميعهم) على «بن علي» (وسياساته). جميعهم كانوا (بحسب أقوالهم) إمّا «بعيدًا عن المسؤوليّة» أو كانوا «مجرّد أعوان تنفيذ»، ومن ثمّة لا أحد (باستثناء بن علي) يتحمّل المسؤوليّة أو المسؤوليّة كاملة…

لا أحد من هؤلاء تقدّم باعتذار سواء عن أفعاله الشخصيّة أو عن مشاركته (مهما كانت درجاتها) في جرائم النظام، أو حتّى عن «صمت التواطؤ» تجاه عدد غير قليل من جرائم بن علي، التي من المستحيل لأحد أن يعلن عدم علمه بها.

ليست أزمة شخص أو مسألة فرد، أو حتّى متابعة أخبار هذا وتصريحات ذاك، بل «عقليّة كاملة»، أو هي «ماكينة» تعمل ليلا نهارًا لإغلاق قوس تمّ فتحه يوم 14 جانفي…

 

يمكن الجزم أنّ هذه «الآليات» (مجتمعة) نجحت بل تفوّقت على ما سواها، لدرجة جعلت «نظام بن علي» سيّئا «في بعض صوره» وكذلك «بعض رجاله» وفي «بعض أعمالهم»، فقط، وأنّ «الثورة» لم تأت ضدّ نظام بأكمله أو ضدّ منظومة كاملة، بل جاءت رفضًا «لبعض الأشياء» لا غير، دون أن ننسى أنّ طيف لا بأس به من «الموالين للنظام السابق» لا يزالون يؤمنون أنّ «لا ثورة هي ولا هم يحزنون»، في جهل مدقع (وهنا المصيبة) ليس فقط لما جرى بل (وهنا الأخطر) للتراكمات والأسباب التي أدت إلى «شرارة البوعزيزي»!!!!

 

هو العمى ذاته، رأيناه منذ الكتاب الذي صدر على لسان ليلى بن علي، وتواصل على مدى 5 سنوات، من اخراج للمسألة من نظريّة «التراكم الفاعل» إلى مجرّد «مؤامرة» تتراوح بين «مفعول بهم» (من الداخل) وكذلك «فاعلين كبار» (من الخارج)، وتأكيد على أنّ «الشعب» (بكامله) إمّا كان «غائبا» عن هذه «المؤامرة» أو تمّ «التلاعب» به، ممّا يعني أنّ (هذا) «الشعب» لم يكن «منزعجًا» (البتّة) من «نظام بن علي»، بل (وهنا الخطورة) كان «متشبثا» (لولا «المؤامرة») بهذا «القائد»…

بن علي وأزلامه

بن علي وأزلامه

ضمن علم النفس السريري، يأتي هؤلاء وكلّ الواقفين مع وخلف هذه النظريّة، أيّ «المؤامرة» وكذلك «غياب الشعب»، مرضى بالمعنى الطبّي للكلمة، بل هم في مسعى «جنوني» لنكران الحقيقة الصادمة وعدم تصديق الواقع الذي تعيشه البلاد، أشبه ما يكون بذلك الطفل الذي (تحت وقع الصدمة) لا يريد تصديق وفاة العائلة بكاملها في حادث مرور، ويبقى عند الحديث أو الممارسة يتعاطى معهم في صورة «الأحياء»….

هم «كذلك» يتعاملون مع «نظام بن علي» في صورة «الحيّ الذي لم يمت»، بل الذي لم يمارس «الخطأ» أو «الخطيئة»، ومن ثمّة يأتي كلّ ما جدّ منذ 14 جانفي عشيّة، في صورة «الكابوس» الذي ستستفيق منه البلاد، لتجد أنّه راح دون رجعة…

لا تعلم هذه «النخبة» أنّها تنفخ في ميّت ولا تدري أنّها مريضة، بل تواصل السير على المنوال ذاته، من نفي للتاريخ واستحضار لماض مزعوم، دون أن ننسى ذلك الاصرار (المرضي) على «اغلاق القوس» ومن ثمّة «عدوة حليمة إلى حالتها القديمة»…

عندما نغادر (جدلاً) كلّ الانتماءات (مهما كانت)، ونبتعد عن جميع المرجعيات (مهما كانت)، ونُعمل العقل (البارد) قراءة وتحليلا في هذه «الفئة» (من الأزلام) الذين لم تغادر أدمغتهم «زمن بن علي» وتوقّفت عقارب الساعة عندهم في يوم 14 جانفي عشيّة، نجد إضافة إلى «الحالة المرضية» (البيّنة والصريحة)، حال من «الغباء القاتل» بل من «عمى لا شكّ» فيه حين عجزوا عن:

أوّلا: حسن القراءة زمن بن علي، وكيف استطاعت هذه «الثورة» أن تغدر بنظام كان يدّعي أو (هو «التجمّع») يتبجّح بتلك القدرة العجيبة على جلب «الخبراء» إلى صفوفه؟

ثانيا: تعاملت المنظومة بكاملها مع الشرارة الأولى بلامبالاة غريبة، وواصلت التراوح بين «الجهل» حينًا وكذلك «الانتهازيّة» أحيانًا أخرى، لتأتي مغادرة بن علي في صورة «المفاجأة» التي صدمت «الأزلام» قبل غيرهم.

ثالثًا: تعامل هؤلاء الأزلام مع «ما بعد 14 جانفي» في كثير من الخوف والريبة أوّلا، ثمّ سرعان ما تراجع منسوب الخوف وانخفضت الريبة، ليندمجوا في المنظومة (السياسيّة) بكاملها في صورة «نظيفة» أو على الأقل، لا تستوجب المعالجة «الثوريّة».

 

يأتي «نداء تونس» (في جوانب كثيرة منه) دليلا فاضحًا على أنّ أزلام بن علي لم يطالعوا الماضي ويتخذوا موعظة من الحاضر، بل جاء تصرّفهم (خاصّة بعد الفوز بالانتخابات التشريعيّة) كمثل من انتقم من «خطأ تاريخي» أو هو «ثأر»…

 

تجاوزًا لكل المواقع، يأتي رجوع أزلام بن علي أقرب إلى عود إلى مربّع «17/14» لكن في عنف أشدّ وفي دمويّة أكبر، لسببين:

أوّلا: الفعل ذاته يؤدّي إلى ردّ الفعل ذاته

ثانيا: تجاوز الشعب «عقدة الخوف» تجاه النظام وكذلك أزلام بن علي وصار أقرب إلى «الرفض» من «المهادنة» ممّا يعني أنّ «غباء» الأزلام.

 

هي صورة أشبه ما تكون لفيلم سريالي أو عبثي. الجميع يصرّ على الفعل ذاته وهو يدّعي «الثورة» وكذلك التغيير، في حين أنّ الجميع (دون استثناء) يذهب إلى نسخة «جديدة» من «ثورة» (أو ما شاء الناس من الأسماء)، تكون دمويّة بل كلّها دماء…

 

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي