قرقنة: القرن بالقرن والبادئ أظلم…

16 أبريل 2016

لا يعلم ولا يدري ولا يفقه (معالي) الناطق الرسمي بإسم وزارة الداخليّة أنّ إرجاع أمر قرقنة إلى (مجرّد) «أشخاص في حالة سكر» تصدوا لشاحنة (شركة البترول) بتروفاك، لا يزيد الأمر سوى اشتعالا، لأنّ دور الدولة (وهذا ما يجهله معالي الناطق الرسمي) لا يكتفي بتوصيف الأوضاع، بل (وهذا المفقود) تقديم الإجابات (العميقة) ومن ثمّة الحلول (الملموسة) لمشاكل (قائمة)…

أن تتحوّل الدولة إلى (مجرّد) «شاهد» (يصف الأوضاع) أو هي (مجرّد) عصا تنزل على «المارقين» يأتي ويمثّل (وهنا الخطير) «تنازلا فضيعًا» من قبل (هذه) «الدولة» ومن ثمّة لا يعدو الأمر (أي التصريح الذي يراكم كمّا هائلا من التصريحات من عشرات المسؤولين) أن يمثل دعوة «للعصيان» أي (وهنا المصيبة) أن يسعى الناس وكذلك الجماعات والنقابات وغيرها للحصول الحقّ بالأيدي وليس من خلال القانون ومنظومة الدولة…

 

على مستوى «الفكر السياسي»، رغم بهرج «الديمقراطيّة» وزركشة «الثورة» وزينة هذا «الانتقال الديمقراطي»، وما صاحبه من اسهال في الإعلام وتسيّب سياسي، لا يزال «العقل» حبيس قمقم بن علي، أيّ أنّ «الدولة» (أجهزة الدولة/القمع) مهمتّها «تطبيق القانون». أيّ أنّها تجعل من «وزارة السيادة» (هذه) «مجرّد عسّاس»، وليس «عقل مدبّر» يسأل ويطرح معادلة «خروج الناس على القانون»…

ضمن حالة قرقنة ودون الغوص في «نظريّة المؤامرة»، يمكن الجزم دون الحاجة إلى الكثير من «الفلسفة» أنّنا أمام دائرتين:

الدائرة الأولى: تخصّ منوال التنمية الذي تعمل من خلاله البلاد ويعمل عبره الاقتصاد، ومن ثمّة يُجمع الاقتصاديون أنّ اتباع منوال التنمية «الليبرالي» (المتوحش جدّا) الذي تعيشه تونس، لن يذهب بالبلاد والعباد ومن ثمّة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي (أيّ الاستقرار السياسي) سوى لما ذهب إليه نظام بن علي (مع بعض التغيير الممكن)، لأنّ أمن البلاد (وهنا الخطورة والمصيبة) لا يتأسّس أبدًا على «الديمقراطية السياسيّة» أوّلا أو وحدها، بل ثبت بالدليل المادي القاطع وتجارب الدول السابقة لتونس في مجال (ما يسمّى) «الانتقال الديمقراطي» أن هذه «الشجرة» التي يسقيها «الحراك السياسي» (القائم على ما يسمّى «التوافق») ليست «غاية في ذاتها»، بل تحتاج (أو يحتاج الناس منها) إلى «ثمار» ملموسة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وإلا انقلبت وبالاً على البلاد والعباد…

الدائرة الثانية: سقطت «دولة ما بعد 14 جانفي» كمثل «حليمة» في عادتها القديمة، أيّ «العنف» حلاّ أوّلا ورئيسيا للأزمات التي عرفتها البلاد، أو هي أيّ (هذه) «الدولة» (بمعنى أجهزة الداخليّة)، قايضت (أو فاوضت) قدرتها على (ممارسة) «العنف» بما هي مصالح فئويّة وذاتيّة ومهنيّة، ومن ثمّة لم يعد «العنف الرسمي» جهازًا في يد «الدولة» (الديمقراطيّة)، بل تحوّل إلى «ناشط بذاته» ضمن «معمعة» المصالح المتناقضة، أيّ (وهنا الخطير)، لم يعد «العنف» الرسمي» محلّ «اجماع شعبي» (دائمًا)…

في دولة لا تحتكم على «منوال تنمية» يضمن ربط الديمقراطيّة (السياسيّة) بالعدالة (الاجتماعيّة)، وكذلك صار «العنف» (الرسمي) فيها «جزءا» من حراك (المصالح)، لا أحد (مهما كان) يملك «سلطة» (اعتباريّة) قادرة على اقناع (هذا) الشارع بأنّ الشمس تخرج كلّ صباح من المشرق…

 

ما لا يعلمه (معالي) الناطق الرسمي بإسم وزارة الداخليّة، ومن معه في الأجهزة ومن وراءه في «الدولة» (مهما كان العمق) أنّ الأزمة في قرقنة ليست ولن تكون أبدًا «أزمة حقيقة» أيّ «صحّة معلومات» (عن «مجرمين/إرهابيين» يهدّدون الأمن العامّ)، بل هي «أزمة ثقة»، ومن ثمّة لا يهمّ «الفئة» (الغاضبة هناك)، إنّ كان من «خرج على الشاحنات» من السكارى الحاملين لقوارير الخمر، أم من المصلين الذين خرجوا لتوّه من قيام الليل، لأنّ الفاصل هنا (والكلام موجه لمعالي الناطق الرسمي ومن معه) لا يتأسّس على «الحقيقة» (القانونيّة/الأخلاقيّة)، بل على «فارق المصالح»، بين شركة نفط، تأخذ الزبدة، في مقابل من يتراوحون بين «فتات الفتات» (في أفضل الحال) وكذلك «الطمع» حينًا (في هذا الفتات) أو الحلم (بالغد الأفضل)…

 

غضب وسخط وعنف (يدّعي الثوريّة) قائم على الاحساس بالغبن، لذلك يرى هؤلاء «الثوّار» (مع تنسيب الكلمة) أنّ معركتهم مع «شركة» تمارس اللصوصيّة بمساعدة من «الدولة» ومباركة من «القانون» وليس «شركة» بمفردها والقانون «فيصل»…

 

على مستوى «تلبية شعارات الثورة» أيّ «تشغيل، حريّة، كرامة وطنيّة» يرى السواد الأعظم من الشعب أنّ «الدولة» تأتي «مقصّرة» (في أشدّ حالات التخفيف)، إن لم تكن «مذنبة» أو هي «مجرمة»، وبالتالي، لا يأتي السؤال الذي يستجمع المعادلة:

هل يكفي لأجهزة «العنف الرسمي» الاستناد إلى «حكومة ديمقراطيّة» في حين يرى «عمق شعبي» أنّ هذه الحكومة «مقصّرة» ، وكذلك «مذنبة» ، أو هي (لدى الغلاة) «مجرمة»؟؟؟

 

السؤال الأهمّ والأخطر والذي يخصّ، ليس «منوال التنمية» أو «استقرار الحكم»، بل «وجود الدولة» من أساسها، مطروح في شدّة هذه الأيّام، ليس فقط، عندما شهدت البلاد محاولة من قبل «إرهاب» (ما يسمّى) داعش، بل (وهذا الأخطر وما يعدّ الأرضيّة للدواعش وغيرهم)، ما نراه متصاعد من «رغبة في الانتقام» (من الدولة)، ليس من قبل «شرذمة ضالّة» (كما يُقال في الخطاب الرسمي)، بل من طيف بدأ يتعاظم…

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي