إلى الباجي: طمئنّا يا ريّس، أنت كويّس؟؟؟

19 ديسمبر 2015

إذا كانت الكلمة أخطر سلاح في حياتنا الاجتماعيّة، فهي بدون شكّ (قد) تتحوّل إلى «سلاح دمار شامل» عندما تدخل غمار السياسة، وقد تنقلب إلى أكثر من ذلك في فم هذا الرئيس أو ذاك الملك.

من ذلك يحرص الرؤساء والملوك والأمراء وكلّ من يحمل صفة أصحاب الفخامة والجلالة أو السموّ أو غيرها، على النطق بحساب والتحدّث بمعلوم، لأنّ وسائل الإعلام وغير وسائل الإعلام، من مخابرات (عدوّة وصديقة) تحرص كلّ الحرص على التقاط الشاردة قبل الواردة.

السياسة الإعلاميّة، سياسة (بالمعنى الحقيقي للكلمة)، يقف على رأسها خبراء أو (بالدارجة التونسية) «أصحاب صنعة»، يحرصون ويبذلون قصارى الجهد ليبدو «مشغّلهم» في أحسن حال وأرفع مكانة، سواء تعلّق الأمر بالعلاقة بين ربطة العنق ولون البدلة، أو ما يصدر عن هذا المسؤول من قول وفعل أو إشارة أو غمزة أو حتّى صمت…

من دلائل الفشل الذريع لأيّ «زعيم» أن يتذرّع الدائرون به بتعلاّت مثل «لم يكن يقصد كذا» أو (الأدهى) القول «أن الحديث أخرج من سياقه»، أو (الأمرّ) «أنّ الحديث كان موجها لجهة بعينها»… كلّها تعلاّت واهية للأسباب التالية:

أوّلا: الخطاب السياسي يعتمد على «جدليّة التلقّي» وليس «نوايا المتحدّث»، فما يجوز في موقع قد لا يجوز في غيره، وما يجوز التلميح له في بلد، وجب التصريح به جهرًا…

ثانيا: وسائل الإعلام والعيون المبثوثة، تسجل الشاردة والواردة، ومن ثمّة لا مجال للقول أنّ هذا الخطاب «للاستهلاك الداخلي» وذاك «للاستهلاك الخارجي»، لأنّ السموات مفتوحة على بعضها، حين يكون بمقدور التونسي أن يتابع الشؤون الداخليّة لأستراليا مثل ما يفعل المقيمون هناك.

باجي قائد السبسي

باجي قائد السبسي

حديث الباجي «ماعنداش جيش»، هو من قبيل القنابل المدويّة التي لا يجوز التهوين من شأنها، أو القول بأنّ «سيادة الرئيس» يريد قول كذا أو لم يقصد كذا. شكل هذا الكلام أشبه بكلام العوام حين يبالغون من باب التأكيد، مثل الأم التي تجيب ابنها الذي يلحّ على طلب المال بأنّها «مفلسة» ومثل الفلاّح الذي يعبّر عن «صابة سيئة» بقول «والله ماهزيت منها كعبة قمح»….

هذه الأشكال من «المبالغة» (الشعبويّة) قد نقبلها أو قد لا نستسيغها من بعض البعض في الحياة العامّة، كمثل القول «ميّت من الجوع»، لا يمكن (وهنا الخطورة) أن تتحوّل إلى «خطاب دولة» كثيرًا أو هي دائم الحديث هن «هيبة الدولة»…

من يسمعون الباجي، غير مطالبين بأخذ الكلام في صيغة المبالغة (الشعبويّة) التي أرادها من باب الالتصاق (اللغوي) بالهمّ الشعبي، لأنّ «نفي أن يكون لتونس جيشًا» مقصود به « أنّ ليس لتونس جيشًا كمثل الجيوش الأخرى» ومن ثمّة لا ضير ولا ضرار من المشاركة، التي تأتي من باب «جبر الخواطر» أو «الطمع» (الطبيعي والمشروع) أن تعود هذه المشاركة بكرم آل سعود على تونس (ربّما)…

هي «أزمة خطاب» أو بالأحرى أزمة علاقة بين «الذات الرئاسيّة» في مقابل «الذات البشريّة»، حين سيطرت (ضمن حال الباجي) الثانية على الأولى، وصارت تتكلّم بدلا عنها. علمًا وأن من شروط النجاح في علم الاتصال الحديث، أن يتمّ تقدير «الشعبويّة» التي ينزل إليها «المسؤول»، على أن يكون هذا «النزول» ليس فقط مدروسًا، بل أن تكون «الصورة» تجمع بين كلّ من «التواضع» وكذلك «هيبة الدولة»…

لذلك نرى المسؤولين في الغرب، يتخلون (أحيانًا) عن البدلة الرسمية وما يصاحبها من ربطة عنق، إلى زيّ رياضيّ أو هو «ما يرتديه العامّة» بغاية أن يمثّل هذا المسؤول أو يتمثّل صورة الناس، الذين يرون أنفسهم في هذه الصورة، فيتمثلون بها بدورهم، ومن ثمّة يصوتون لها (وهذه هي الغاية وهذا هو المُراد).

على العكس من ذلك، هناك صور من «العامّة» لا تعجب العامّة أنفسهم، ومن ثمّة لا يريدون ولا يستحسنون رؤية رؤسائهم عليها، لذلك يكون الشعب (العادي) في أي بلد غربي، شديد الصرامة مع أخلاق القادة، ويكون متسامحًا مع ذاته.

أيّ أنّ «الرئيس» (وهذا ما يجهله الباجي وحواشي الباجي ومن مع الباجي) لا يجب أن يقدّم «صورة الشعب» أو (وهنا الحكاية) «حديث الشعب»، بل عليه أن يقدمّ «الصورة التي يريدها الشعب» وكذلك «الحديث الذي يحبّه الشعب»…

هناك لبس أو ضبابية لدى الباجي، بين «صورة الشعب» وما «يريد هذا الشعب»، لذلك وقع الباجي في المحظور، دون أن ننسى أنّ تبخيس الجيش الوطني، أحد أهمّ المؤسّسات في البلاد وأفضلها، تأتي مهمّة «شديدة الخطورة» عندما مثّل هذا «السلك» (في محطات عديدة) ليس فقط الدرع الواقي للبلاد، بل الضمانة الحقيقة لعدم الانزلاق نحو الانقلابات بأنواعها…

 

من التبسيط حصر المسألة في أداء «مؤسّسة الرئاسة» ونقد الأداء والحكم عليه، هي أزمة خطاب شامل وريح مسّت البلاد بأكملها، حين لم يفهم جلّ الوزراء أنّهم لا يخاطبون أنفسهم ولا يُخاطبون بصفتهم الفرديّة، بل هو أصحاب وزارة، والعامّة والخاصّة، من الداخل والخارج تنظر إليهم في صورة «المؤسّسة والرمز»، ومن بعد تنظر إلى «الشخص» في بعده الفردي….

قليل في هذه البلاد من تلبّسوا الدولة، وتصرّفوا في صورة «رجال دولة»، بل جلّ ما نراه، فرادى يبحثون عن «وهم فردي» وعن «قضاء حاجة» إمّا لأنهم يرون أنفسهم «أكبر من الدولة» أو هو «خارج الدولة» (كرايّة موش ملاّكة)…


2 تعليقات

  1. حبيب فتح الله

    كلام الباجي قائد السبسي هو من الصنف الذي نسمعه من كبار السن ..هو خليط من المفردات أو المواقف أو التفاعلات القديمة أو السخريات الغابرة ..التي نحس أنها بقدر ما تعبر عن شيئا من العفوية والتجربة بقدر ما أنها خرجة عن سياق العصر ومتطلبات الساعة ومتطلبات كرسي الرئاسة … عندما نسمع من صنف هذا الكلام من عند كبار الحي نبتسم ونقول “مزال الخير في الدنيا ياحاج..مزالة البركة” ..ولكن أن نسمع هذا الكلام من رئيس دولتنا فذلك شيء يدعو للأسى والقنوط ..

  2. عبدالحميد الجرموني

    السياسي أو رجل الدولة عليه بالتكوين و الرسكلة المتواصلة، حتى يكون في مستوى المرحلة و الأحداث ، ونحن تعودنا بالتصريحات الاعتباطية التي تصنف بالهزلية من بعض الجيهات. هذا التصريح حول قدرات الجيش يأتي من قائده الأعلى ! فكيف بالقادة الفعليين الذين في حاجة للدعم و الاحترام للرفع من معنوياتهم…

اترك رد

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي