الثلوج والاستسقاء ونخبة الغباء…

18 يناير 2016

تستغلّ (بعض) «النخب» (التونسيّة) أيّ «عارض» (عابر)، لتثبت وجودها، كأنّها (وهنا الأزمة) صاحب «سلطة اعتباريّة» قادرة على «تثبيت» ما تراه (هذه النخب) من «قوانين للمجتمع» وكذلك «تحديد الخطوط الحمراء… تتصرّف هذه «النخب» كأنّ المجتمع لا يستطيع العيش بدونها أو أنّه سلّمها الأمر واصطفاها من دون العالمين.

أحاديث «الاستسقاء» فاتت الجانب «الموضوعي» الذي يُفترض أن يطبع أحاديث المثقفين سواء عبر القراءات «العلميّة» للظاهرة الدينيّة، أو ما هو دور الدين في المجتمعات، لنجد استغلالا لوظيفة المثقف من أجل التعبير عن «خواطر» تأتي أقرب إلى «السطحيّة» من ذلك «التميّز» الذي لولاه لما كانت النخبة نخبة…

 

الظاهرة الدينيّة في كلّ العصور وجميع البلدان، ومهما كان المجتمع، تتأسّس على «الإيمان»، وهو بعد بقدر ما يأتي «أعمق القناعات» في الذات البشريّة، بقدر ما هو بعيد كلّ البعد عن ذلك «الاجماع»، ممّا يعني (وهذه هي الأخلاق) أنّ علينا أن نحترم معتقد الأخر ليس من منطق «الصواب» أو «الخطأ»، بل من باب احترام «المعتقد» ذاته…

ليست الأزمة في ما يعتقد هذا «المثقف» أو ذاك بخصوص صلاة الاستسقاء أو غيرها من الطقوس الدينيّة، بل المصيبة في التعبير عن ذلك، واعتبار الأمر من «حريّة التعبير» في حين أنّ ذات «المثقف» لا يرى لمن يخالفه المعتقد حقّا في التشكيك في ما يؤمن به، ومن ثمّة غادرنا منطق المعاملة بالمثل التي ينبني عليها الاحترام المتبادل بين الأفراد والشعوب، سواء وفق المنصوص عليه في الديانات من عدم «اكراه» أو ما جاء في المواثيق الدولية لحقوق الانسان، إلى نمط من «علاقة القوّة»، سلاحها من يملك «وسائل الإعلام»….

سطوة «الحقيقة» على «الاحترام» من منظور هذا المثقف أو ذاك، بل الذهاب بالتنظير حدّ احداث «الصدمة» أو «الاصطدام» بالمجتمع، تمثّل جزءا من «الثقافة السائدة» حاليّا، أي قدرة (أو دور) المثقف في احداث الصدمة والاصطدام، ممّا يخلق سلسلة زلازل في المجتمع، جعلت البلاد بكاملها تدخل في دوامة عنف لفظي على الأقل….

 

تجاوزًا لهذه الأبعاد السفسطائية التي لن تجد لها جوابًا شافيا وكافيا يقتنع به الجميع، وكذلك لا يمكن البتّة أن تشكلّ فرصة لأيّ إثراء مهما كان، يمكن الجزم أنها لن تتقدّم بالفكر، ومن ثمّة يكون السؤال: ما فائدة هذه النقاشات البيزنطية ولفائدة من تشتغل (عن قصد ومؤامرة، أم عن غير قصد وعفويّة؟)

 

الثلوج في تونس

الثلوج في تونس

أهمّ من الحديث عن «صلاة الاستسقاء»، الذي وجب ألاّ يفوت المختصر والمفيد في المسألة، وجوب ذهاب «المثقفين» أو بالأحرى «الفاعلين الاعلاميين» إلى «الشواغل الشارع التونسي» الذي يرزح في سواد متعاظم تحت البرد القارس أوّلا وثانيا تحت الفقر (المدقع أحيانًا) الذي يجعل هذا «الرداء الأبيض» سمّا زعافا، يدمّر الصحّة ويدقّ العظام….

على سكّان الحضر والذين لا يعنيهم الفقر والجوع من بعيد أو من قريب، أن يتأكدوا أن منظر الثلوج الذي يثلج صدورهم فرحًا، يثلج صدور الفقراء بردًا قارسًا وأن الفقراء في مناطق الظلّ لا يحلمون باللهو بالثلج بل يحلمون بالكثير من الدفء وما ينفع من الطعام في هذا البرد القارس.

كان الأولى من طرح قضايا أشبه بقضيّة «دم البراغيث» الذهاب إلى أصل الداء وبيت العلّة، والسؤال عن خطورة الفيضانات واحتمالات الثلوج، منذ فصل الربيع والصيف، حين لا يمكن أن يتحوّل الموقف من الثلوج والفقر والمعاناة إلى «بكائيات» كلّ موسم، مع ما يحلو للبعض حمله من «معونات» هدفها جمع الصور والظهور في وسائل الإعلام أكثر منه احداث نقلة نوعيّة في هذه الأوساط الفقيرة…

 

في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه 20 في المائة، ولا يبدو أفق أو بصيص أمل لتحوّل الأمور نحو الأفضل، بل الخوف قائم وحقيقي، وحتّى مشروع من تدهور الأوضاع، يمكن الجزم أنّ أولويّة الأولويات تكمن في النهوض بالطبقة الأكثر فقرًا في البلاد، ليس فقط من منظور اقتصادي أو اجتماعي، بل من زاوية «حقوق الإنسان»، حين لا يمكن الحديث عن «جمهوريّة» أو «مواطنة» أو حتّى «دستور»، بل «ثورة»، في بلد لا تحفظ فيها «المجموعة الوطنيّة» (أيّ الدولة ومجمل النخب) للأقلّ حظّا «ما يكفل الحقّ الشرعي والقانوني في الوجود»….

 

الأزمة عميقة ومزمنة وخطيرة، حين تتجاوز «صلاة الاستسقاء» وكذلك «الثلوج» إلى تصوّر النخب للثقافة وللسياسة ولدورها في الحياة، حين نلاحظ أن هذه النخب، ليس فقط تتخيّل «العمق الشعبي» كما تريده وليس كما هو، بل تعتبر أنّ على هذا «العمق الشعبي» أن يطيعها ويقبّل أياديها، بل يجعل لها أصنامًا من الذهب، لمجرّد القول أنّ «صلاة الاستسقاء» خرافة أو غيرها من التشكيك في المعتقد الجامع…

المثقفون والنخب وأهل السياسة الذين يتوزعون بين قرطاج والقصبة وباردو، لا يعلمون ولا يدركون (بمعنى الوعي) أنّ البشر لا يبغي (في المقام الاوّل) سوى مصلحته المباشرة والعاجلة، حين لا يمكن أن نطالب جائعًا بأن يكون من المنادين بفوائد الانتقال الديمقراطي ولا ممّن لا يقدر على تدريس أبنائه أن يبارك التوجهات الليبراليّة للدولة….

 

المشكلة أعمق من الانفصال عن الدولة، الذي نلاحظه راهنًا، وأبعد ممّا هو «العقد الاجتماعي»، بل هي «ثورة الجياع» حقّا، الذين عانوا الجوع والفقر والتهميش قبل 14 جانفي، في صورة «القضاء والقدر»، لكنّ «أمل الثورة» بما حملت من «كرامة وطنيّة»، يجعل الحلم أكبر من الواقع حين يأتي الانتظار صعب جدّا والترقب شبه مستحيل…


346 تعليقات

  1. شكرا على المقال المميز الذي عودتنا بمثله في الدقة و التحليل الذي يلمس الواقع الذي نعيشه دون مبالغة او رياء .. في تقديري الشخصي ألخص ما تفضلت به في نقطة فاصلة و هي الداء و سبب البلاء و هي الاعلام الذي يعتبر معضلة العصر فهو ديناموا و محرك العقول و موجهها في كافة المواضيع المطروحةو هو الذي يقدم لنا اراء نخبنا او بالاحرى اراء نكبتنا الذين في اغلبهم يطرحون و يناقشهم مواضيع لا تهم الطبقة الاكثر قهرا عبر التاريخ .. حتى و ان طرحوها فهم لا يقنعون لان الكلام النظري الذي لا يطرح حلول علمية قابلة للتطبيق على ارض الواقع و تغيير هذا الواقع المقيت هي حلول تصب في بوتقة التجارة السياسية او النقابية او اي تكتل غايته جذب الاهتمام و الدعم الشعبي و كل هذا الرياء و الهبوط الفكري لا يقدمه لنا سوى الاعلام في صورة اصبحت تثير الغثيان .. في الاخير الثورة لم تكن لها قيادة فكرية تحمل مشروع ثقافي او اقتصادي او حتى سياسي فتلاقفتها الايادي المتعطشة للسلطة و صنعت منها انموذج للحوكمة الرديئة ..

    • صباح النور استاذ. والله يا استاذ هذه الشرذمة من الثقفوت كما يسميهم الاخ لمين البوعزيزي لا يستحقون حتى مجرد الرد عليهم لتفاهتهم وفقرهم الفكري تهافتهم على موائد الذل ليقتاتوا منصبا بغيض في دولة الضباع والذئاب اللئيمة. فخير من اجابتهم السكوت. محبة

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي