الحوار (الوطني) فوق التأسيسي، الحكومة (القادمة) ستكون فوق التشريعي..

4 يونيو 2016

رغم انتهاء «الحوار الوطني» إلى نيل «جائزة نوبل للسلام»، ورغم «السمعة الطيبة» التي نالها «الرباعي الراعي للحوار»، يمكن القول، من باب التشخيص، أنّه (أيّ الحوار) نقل «مركز القرار» من بين أيدي «المجلس الوطني التأسيسي» (حينها) إلى «لعبة» دخلتها الأحزاب دون اعتبار لوزنها السياسي (بالمفهوم الانتخابي)، وكذلك حولت هذا «الرباعي» إلى «راع»، حين لا يستقيم مفهوم «الرعي» وكذلك «الرعيّة» مع أبسط القواعد الديمقراطيّة، فقط اتكل «الرباعي» على ما وصلته البلاد (حينها) من «طريق مسدود»، وما هي مخاطر الانفلات والذهاب بالوضع إلى «موازين قوى الشارع» بعيدًا، أو في قطيعة مع «التجربة الديمقراطية» (الناشئة)…

BejiAbbassi

العباسي والباجي

دخول الاتحاد العام التونسي للشغل وكذلك «الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصيد البحري» معادلة حكومة «الوحدة الوطنيّة» يعني في (أبسط القراءات) أنّ الباجي قائد السبسي أو المنظومة التي يريد التأسيس لها، لا تعتمد «موازين القوى داخل مجلس نوّاب الشعب»، ومن ثمّة يمكن الجزم (أسوة بما كان «الحوار الوطني»)، أنّنا أمام «لعبة توافق» (جديدة)، لكن بقواعد أخرى وخاصّة أدوار أخرى.

 

مشاركة كل من اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف تعني أساسًا، حين لا يأتي هذا الطرف أو ذاك صاحب تمثيليّة في مجلس نوّاب الشعب:

أوّلا: أنّ الاتحاد ومنظمة الأعراف شريكان في تحديد «وزراء» هذه الحكومة، سواء بالاقتراح أو بالقبول أو بالتحفّظ، ممّا يعني قبولها (سواء من باب الرضا أو المقايضة) بالتشكيلة الحكوميّة القادمة.

ثانيا: مشاركة الطرفين في التأسيس أو هو رسم الخطوط العريضة لهذه الحكومة، حين يمكن الجزم أنّ هذه الحكومة ستكون أقرب إلى الشأنين الاقتصادي والاجتماعي دون السياسي، وأنّ مهمّتها ستكون أقرب إلى التقشّف وشدّ الأحزمة من حكومة تنفق دون هوادة على التنمية والاستثمار المنتج لمواطن الشغل.

ثالثا: المشاركة تعني دخول البلاد ليس فقط في «هدنة اجتماعيّة» (تطول بقدر بقاء هذه الحكومة)، بل تصدّي الأطراف «المشاركة في الحكومة» لكلّ «جهة» تحاول ركوب موجة الاحتجاجات والنزول إلى الشارع قيادة للجماهير الغاضبة أو المتضررة من سياسة التقشّف وشدّ الأحزمة.

 

بقدر ما المشاركة في الحكم مغرية (بالنسبة لاتحاد الشغل ومنظمة الأعراف) بقدر ما تمثّل ليس فقط تحديا، بل خطرا على «هويّة الاتحاد» وأساسًا على علاقته بعمقه الشعبي دون أن ننسى «التوازنات» (القائمة) بين التيّارات الأيديولوجيّة داخل هذه النقابة، خاصّة وأنّ الاتّحاد مقبل على مؤتمر هامّ جدا في شهر ديسمبر القادم، لذلك يمكن تفصيل التحديات كالتالي:

أوّلا: انقلاب دور الاتحاد من «القوّة العمّاليّة» الأولى والأقوى وأساسًا الأعرق، إلى طرف تكون مهمّته تمرير أو تبرير سياسة تقشفيّة معارضة أو هي معادية لأيّ نفس اجتماعي، ومن ثمّة يمكن الجزم أنّ الاتحاد يراهن (ضمن معنى القمار) في حال قبل بهذا الدور ضمن حكومة «الوحدة الوطنيّة»…

ثانيا: اختلاف الرؤى داخل اتحاد الشغل بين القوى الأيديولوجيّة القائمة، سيدفع لجعل موضوع المشاركة، ليس فقط «موضوع الساعة»، بل (وهنا الخطورة) أن يتحوّل إلى «النقطة الفارقة» التي على أساس الموافقة أو الرفض، سيكون التصنيف القادم داخل هذه النقّابة…

ثالثًا: مؤتمر ديسمبر يشهد منذ أشهر «تصفيات» (بالمفهوم الرياضي) استعدادًا للانعقاد، ولعبة تحالفات بين العائلات السياسيّة، ومن ثمّة يمكن الجزم أنّ «موضوع النقاش الأوّل» منذ اللحظة ستكون «حكومة الوحدة» (هذه)، وأساسًا، ومن ثمّة يكون على الأطراف المتطلعة لقيادة الاتحاد أن تحسم موقفها، لتعلم به «قواعد المؤتمر» (إضافة إلى عمق الاتحاد)، وكذلك الأطراف الداخليّة والاقليميّة والدوليّة.

بمفهوم كرة القدم، تحوّل اتحاد الشغل أساسًا بمعيّة منظمة الأعراف، من «حكم» (نال شرف جائزة نوبل) إلى (مجرّد) لاعب يخاطر بوجوده وسمعته وخاصّة تماسك منظمته، لذلك، لا يمثّل موقف الأمين العام الحالي حسين العبّاسي، سواء بالرفض أو بالقبول تلك الأهميّة «الاستراتيجيّة»، حين يعلم الرجل ويدري دراية اليقين، أنّ المؤتمر القادم للاتحاد هو من يملك الكلمة الفصل، وأنّ «التشكيلة» الصلبة (بلغة كرة القدم) ستأتي إثر المؤتمر، وما سبق ذلك، لا يعدو أن يكون (بالمفهوم الكروي دائمًا) سوى «مباريات وديّة» أو هي (مجرّد) «حركات تسخين» (لا غير)…

 

كلّ هذا الحراك داخل الاتحاد وضمنه، وتأثير المنظمة الشغيلة وتأثّرها، يجعل «مجلس نوّاب الشعب» أشبه بمجرّد «شاهد على الزفّة» (قد يشاهد وقد لا يشاهد) بعد أن كان يلعب دور «زوج الأمّ» أيّ صاحب القرار الفصل والبتّ النهائي (دستوريّا)…

 

حين نوسّع دائرة الرؤية، يمكن الجزم أنّ ما تمّ أثناء «الحوار الوطني» وما نجم عنه، وما يتمّ استعداد لهذه «الحكومة» وما سينتج عنها، كان مبنيا على أمرين:

أوّلا: الخوف «ممّا آلت إليه الأوضاع»، أيّ أنّ «الحوار الوطني» وكذلك «حكومة الوحدة الوطنيّة» يمثلان «طوق النجاة» وليس «خيارًا» (من جملة خيارات) مقبولة.

ثانيا: أنّ «خطورة الوضع» (بالمفهوم الغرائزي) لا تترك فرصة للتفكير أو حتّى الحديث عن «احترام الدستور» أو «الأعراف الجارية»، بل (وهنا الأهميّة) يأتي البحث عن «حلّ» (بأيّ ثمن ووفق أيّ آلية كانت)…

 

تمييع «المجلس التأسيسي» وكذلك تهميش «مجلس نوّاب الشعب»، يمثل خطرًا شديدًا على الديمقراطيّة، حين لا تزال هذه الديمقراطيّة «فتيّة» أو هي ليست «ديمقراطيّة» (بالمعنى الكامل)، بل فترة «انتقال ديمقراطي»، تحتاج إلى «فترة سماح»، وليس وضعها بين قوسين.


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي