«الممانعة» شعارات، و«الجهاد» تجارة…

20 نوفمبر 2016

دون الحاجة الى مسح علمي أو قراءة اكاديمية، اليقين قائم (ضمن الواقع التونسي أنموذجا، على الأقلّ) بأن غالبية مريحة وغير هينة من أنصار «الممانعة» ومن ينتصرون لسورية وايران وحزب الله، لا يحملون ضغينة، بل ودا في قلوبهم ومن خلال اقلامهم وتصريحاتهم للرئيس الهارب زين العابدين بن علي، أو على الأقل لا يحمّلون نظامه ما ارتكب من جرائم وهتك من اعراض وتجاوز من محرمات.

على المقلب الآخر وفي الفريق المقابل، نرى أن الطيف المناصر لما هم أعداء النظام في سورية (من الاسلامين خصوصا) لا يضعون معاداة الصهيونية وربيبتها الامبريالية الامريكية، في الموقع المفترض بحكم شعارات «الجهاد» أوّلا وبحكم الانتصار (المفترض) لما هو الحقّ (بالمفهوم الشرعي) ثانيا، وبحكم (كذلك) الثأر الحقيقي القائم مع الصهاينة وداعمتهم الولايات المتحدة، التي وجب أن تكون (افتراضًا) في أعلى صدارة شعاراتهم أو على الاقل خطاباتهم المتناثرة وحتى اقاويلهم العابرة.

 

نحن نقف فعلا أمام صورة مشوّهة بل الادهى أنها مقبولة إن لم تكن «مشرفة» او حتى وصل الامر حد المفاخرة: أزلام نظام بن علي يذكرون في فخر ويذكّرون في حماسة بما فعل هذا الطاغية من جرائم تجاه اعدائه من الاسلامين تدقيقًا، في تشفّ مريع وتلذّذ مريب، ويرون في الامر «قصاصا مشروعا» وعقابا عادلا، في حين يشمت الاسلاميون المعادون لبشار ونظامه ولحزب الله عند كل اعتداء صهيوني أو أمريكي على هؤلاء (أي النظام السوري ومن معه) ويرونه قصاصا مشروعا وعقابا عادلا. مع تشفّ لا يقلّ عمّا بدر عن «أعدائهم»…

 

عندما نوسع دائرة التحليل من منظور علم النفس السريري نرى ونشهد انفصاما في الحالتين بين دوائر ثلاث:

أوّلا: دائرة الفكر في بعد الإيمان والعقيدة، الذي يعلي في الحالتين من شأن الامّة (عربيّة كانت أو إسلامية)، في مقابل تدنيس كامل للعدو سواء كان طاغية/طاغوت في الداخل أو محتلا في باقي أقطار هذه الأمّة.

ثانيا: دائرة الخطاب السياسي والاعلامي، حين يتم تجاوز الدائرة الاولى بل التغاضي عنها، الى ذكر وتعداد ما يصرّون ويرون في إلحاح غريب من «مساوئ» في  «دائرة الطرف المقابل». مناصرو سورية وحزب الله يعددون جرائم الاخوان وما يشوب ماضيهم من اتهامات، في حين يسعى الطرف المهادن للصهاينة والامريكان (أي الإخوان والسلفيّات) الى حصر اهتمامهم ما يرون ويقولون أنّها «جرائم نظام الأسد»…

ثالثا: دائرة الممارسة، حين يبارك أزلام بن علي أي «عقاب» يتم تسليطه على الاخوان ممن كان، سواء انقلاب السيسي أو جاءت الضربة من ألدّ أعدائهم (أعداء الأزلام). في حين يبارك الاسلاميون أي بندقية توجه رصاصها الى نظام الاسد وجيشه وحلفائه.

daechنقف فعلا أمام واقع أقلّ ما يُقال أنّه «مرضي» (إن لم تكن خيانات موصوفة ومهام مقصودة)، حين نلاحظ (بالعين المجرّدة) «عدم التوافق» بل هو «الانفصام المرضي» بين هذه الدوائر الثلاث. أو هو أقرب الى الجنون الفعلي، حين لا هم للطرفين سوى تصفية حسابات ضيقة وثارات رخيصة بل دنيئة في الحالتين مع الطرف المحلي الاخر.

 

قمة المأساة او هي الملهاة في شكلها الفرجوي أن يفاخر أعداء الإسلاميين بهذا (العقيد المتقاعد) خليفة حفتر، بل يعتبرونه «بطلا قوميا» فقط حين يحارب أي نفس اخواني، في حين أن هذا «البطل الهمام» قضى ما يقارب عن 14 سنة في ولاية فرجينيا (الأمريكيّة) ضيفا على اسطبلات المخابرات الامريكية التي سوته واعدته بل برمجته لتستخدمه في ليبيا بعد أن اعطته الجنسية الامريكية ومكنته من ممارسة واجب الانتخاب مرتين على الاقل

في المقلب الاخر تجد النفس الإسلامي يبارك «جبهة النصرة» بل يدعو لها بالنصر ويدعو لقتلى هذا التنظيم بالرحمة وبالمغفرة وبالجنة، حين يحتسبونهم شهداء عند ربهم، بل من الاصوات الاسلامية (المنسوبة للاعتدال الاخواني) من تنظر وتنظّر إلى «جبهة النصرة» وما فرّخت بمثابة «الجناح الاسلامي» الأوحد أو على الأقل الغالب في سورية، دون بذل أي جهد للبحث عمّن لقح بويضة «القاعدة» في باكستان وأفغانستان بما هو «الفكر الطهراني» القادم (مباشرة) من البروتستانتية، حين تسبق عند المسلمين الدعوة (بالموعظة الحسنة) وليس التطهير (بالتصفية الجسديّة).

 

يمكن الجزم في الحالتين أنّنا أمام (ما يشبه فعلا ودون مبالغة) بطولة (كرويّة)، أمريكية القانون والحَكَم، بين خصمين يتظاهران خطابا بمحاربة امريكا وأذنابها في المنطقة، حين قام النفس القومي على محاربة «الامبريالية الأمريكيّة» ومشتقاتها من «أنظمة العمالة والرجعيّة» في المنطقة، في حين قامت «القاعدة» على محاربة «الكفار» بالجملة و«الامريكان» وكذلك الصهاينة، بالتفصيل.

 

بالمفهوم المشرقي نحن أمام «مرابعين» ما يقابله «الخمّاسة» في المغرب العربي. هذا وذاك خادم للمشروع الامريكي (عن جهل وسذاجة أو خيانة وقصد)، بل مجردة أداة محلية له، سواء لضرب فكرة «الجهاد» التي أسس لها القائد الشهيد عبد الله عزام في أفغانستان قبل تصفيته من قبل «إخوة» له في الجهاد. في المقابل ضرب فكر «الممانعة» الذي جاءت صافية في منبعها لضرب المشروع الصهيوني في لبنان أولا وعلى أرض فلسطين ثانيا.

المشروع «الإسلامي» المناصر للولايات المتحدة والمهادن للصهاينة اكثر وضوحا بل صفاقة في مواقفه الاعلامية. قنواته الاعلامية تمارس دورها المهادن والتطبيعي في وضح النهار، في مقابل قنوات «الممانعة» التي لا تزال تتخفى خلف عديد الشعارات أو هي أقل احترافية في اسلوبها، لكنها (والحديث عن قناتي «المنار» و«الميادين») لا يجدان أي غضاضة في استضافة اي نفس «شاتم» للإخوان والسلفيات بتلويناتها، دون البحث او الغوص في ماضي الضيف، الذي تكفي مراجعة بسيطة لاكتشاف أنّه (أيّ الضيف) معاد ومفاخر بمحاربة الطيف الاسلامي بكامله من شيعة وسنة، ومن إخوان وممانعة.

هي أزمة «ضمير»، تتأسّس على أزمة «وعي» في الحالتين. دفاع عن «مجرمين» لا يستقيم في الحالتين، حين يذهب انصار بن علي الى المفاخرة بحزب الله من باب الشماتة المحلية مع سقوط اخلاقي مقيت في تبرير الجرائم خصوصا تجاه الاسلاميين، في حين يرفض (وسيرفض) الإخوان الى أخر نفس ابداء رأي فقهي صريح من «السلفيات المجاهدة» في سورية. فقط ـ كما يفعل راشد الغنوشي ـ يكون الهروب من ردّ على «الحقائق» إلى «ترصيف» المفاهيم (المبهمة والمعلّقة)…

 

هو خوف وقصور وتقصير من الجهتين. ومحاولات مرضية لفصل مجالات هي اخلاقيا مفتوحة على بعضها، بل لا يجوز غلقها أو التفريق بينها: لا يمكن لمن مارس سياسة تزوير الانتخابات زمن بن علي وكان شاهد زوز على جرائم هذا النظام، أن يتدثر بانتصارات حزب الله سنة 2006 أو يفاخر بها، ويعتبرها «رأسمال رمزي»، يستأسد بها. كما لا يجوز لمن بنى «أسطورة» حركته (الاسلاميّة) على المعاناة زمن بن علي، أن يبني سياسة جوفاء ومجدا كاذبا على مهادنة الامريكان والتغاضي عن جرائم الصهيونية وأذنابها من أنظمة عمالة مفضوحة، ومن المطبعين، وفي الآن ذاته، يسكت أو يبرّر أو هو يتغاضى عن جرائم «السلفيّات» في كلّ من سورية والعراق.

 

في الحالتين هناك نزوع أو بالأحرى هو النزول إن لم يكن انحدارا بمسائل جد معقّدة الى ما يشبه مباراة كرة قدم، أي يطلب منك هذا وذاك يشترط ذاك، أن تحدّد الجهة التي تناصرها ومن ثمّة تكون خصما/عدوا طبيعيا وآليا للطرف المقابل. والاخطر يكمن في ذلك الحسم السريع والبات بخصوص أيّ جهة تمارس حقها الطبيعي في التفكير بل هو الهروب والفرار من هذه الثنائية، على اعتباره من «انصار الطرف المقابل»، لأن العقل الذي تربّى أو هو أدمن، إعلام التدجين وقنوات كرة القدم ومواقع التبسيط، صار عاجز مرضيا على أن يتخيل مجرد الخيال ان العالم الماثل امامنا أوسع وأعمق بل وأعقد من أن يتمّ تمثيله على شاكلة مباراة لا امل فيها للتعادل بل هو تمديد في الاشواط (كما نرى في سورية والعراق) الى حين «الانتصار» فوق «كوم خراب»….


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي