باريس الدمار… بين الارهاب القائم والعنصريّة القادمة

14 نوفمبر 2015

 لا أحد يملك القدرة على تجاوز الصور القادمة على شاشات التلفاز والعيش حقّا في مكان الذين يعيشون الرعب في عاصمة قالوا أنّها للأنوار. مشكلة البشاعة أنّها لا تنتقل عبر الهواء ولا تصير سوى صورة وصوتًا، على عكس الذين يعيشون الآلام حقيقة، لا يتخيّلون البتة أنهم صورة وأن الأخرون ينظرون إلى مآسيهم.

نجحت الجهة التي تقف وراء هذه السلسلة الارهابيّة في تجاوز الارهاب ذاته، إلى الصدمة في أعلى درجاتها، لم يكن الهدف القتل من باب بثّ الإرهاب، بل ـ وهنا المصيبة ـ تحويل عملية القتل إلى مجزرة جماعيّة والألم إلى وجع أكبر، والخوف إلى هلع…

لا أحد من بعيد يملك قدرة الخيال، أو أن يعيش ما يعيش الناس هناك، سواء منهم الجرحى على عين المكان، أو من هم إلى جانبهم أو الأقارب الذين يسألون عن خبر أقاربهم ممّن هم على عين المكان. إنها الموت المتجاوز للأجساد والآلام المرابطة على وعي الجميع والاحساس ذاته، بين من حضر المجزرة أو احدى صورها، أو من هو بعيد يرقب خوفًا على قريبه أو على شعبه أو على البلد.

من عادة الإرهاب منذ القديم أن تجاوز الحدود وقد أصبح كالتلوّث لا يعترف بهذه الحدود الفاصلة بين الدول، إنّها الشكل الأوّل للعولمة في أشنع صورها، بل أفظع أشكالها، حين لا دين ولا ملّة ولا جامع للقتلة سوى القتل ذاته.

فرنسا تخطّت في عمليّة «شارلي هبدو» المانع الصغير بأن شهدت باريس الموت على أرضها، وها هي تدخل «المجزرة الكبرى» من بابها الواسع، ليكون السؤال ليس عن عدد القتلى والجرحى ومدى خطورة هذه الجراح وقدرة المستشفيات على استقبالها، بل السؤال عن شكل اليقين الذي سنعيشه: باريس لن تكون كما كانت وفرنسا لم تعد ولن تعود فرنسا التي نعرف، لأنّ حجم الموت كبير والآلام أكبر، حين جاءت الموت وكانت الفظاعة أكبر من القدرة على التصوّر…

باريس أحد قلوب أوروبا النابضة، وأيضًا مرتع الحياة والمرح، دون أن ننسى أنّها العاصمة «العربية» الأولى في أوروبا أو على الأقلّ لدى أهل المغرب العربي، لتكون باريس قطعة منّا، حين تحمل فرنسا الملايين من أهالينا هناك، ليكون السؤال عن هؤلاء مزدوجًا: سؤال عن الحال اليوم حين لا يفصّل الإرهاب الموت وفق الوجوه، وسؤال (أخطر) حين سيتوجّه إليهم عموم الفرنسيين بأسئلة يجهلون كنهها أو بالأحرى لا يعلمون ردّا لها…

باريس

باريس

من الاكيد أنّ هذه المجزرة ستكون شديد التأثير على الهجرة العربيّة هناك، ومن الأكيد أنّ العرب والمسلمين في بلاد النور والأنوار، سيعرفون أيامًا داكنة، ليس فقط حزنا وتعاطفًا مع مواطنيهم من جميع الملل والنحل، لكن أيضًا لأنّ الكثير سيبحث عن «جهة» تدفع الثمن.

قبل هذه المجازر الأليمة لم يعد من سؤال في فرنسا سوى عن العنصريّة التي نمت بشكل كبير، ويأتي شلاّل الدم هذا، ليكون ماء يسقي هذه العنصريّة المقيتة والكراهيّة البغيضة.

من السهل جدّا القول أو المطالبة أو مناشدة الفرنسيين بعدم الخلط وعدم الذهاب نحو التبسيط القاتل لروح المواطنة، لكن هناك من يستعدّ أو بدأ لحربه ضدّ الوجود العربي في فرنسا، كأنّ تطهير فرنسا من هؤلاء يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويدفع عن فرنسا الموت ويعفيها من الارهاب.

معادلة الإرهاب كما معادلة العنصرية، هما هذا الوجه وذاك للعملة الواحدة، ودون السقوط (الأخلاقي) في نظريّة المؤامرة، يمكن الجزم أن فرنسا بدت اليوم رهينة الارهاب وتحت طائلة أو سيف العنصريّة، ومن الأكيد أن الجسد المجروح والأبدان التي أصابها هذا الوجع الوطني عاجزة كلّ العجز عن تمييز خيط الارهاب عن خيط العنصريّة، لأنّ ضباب القتل أقوى وأعتى من أن يترك الجميع يفكّر عن رويّة… تلك غاية الارهاب.

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي