خميسّ وعاشور و«الساقطة» من الطابق الثالث.

5 يناير 2016

بين الترّفع والشماتة واستبطان النقاء الأخلاقي والمثالية في السلوك، راح روّاد المواقع الاجتماعيّة، ينقلون أخبار الفيديو الذي يوثّق لتلقّي عون أمن رشوة، أو سقوط أو «إسقاط» فتاة تونسيّة من الطابق الثالث، ونسب الأمر إلى مواطن ليبي.

أسهب الكثير أو جلّ المتدخلين في «المثاليّة الأخلاقيّة»، بل وطرح المسألة من زاوية الوعظ، بل أوغل الكلّ في «التشاؤم» كأنّ بنات تونس جميعهنّ من هذا الرهط، أو كأنّ أعوان الأمن في تونس على هذه الشاكلة.

هي عقليّة قبل أن تكون تصرّف ونمط تفكير قبل أن يشكّل أو يتشكّل الموقف، لأنّ المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي، يتأكّد من الدقائق الأولى أنّ «التشنيع» أصبح السمة العامّة أو الغالبة، دون أدنى طرح (مع استثناءات نادرة جدّا) للإشكالية (مهما تكن القضيّة) في نسقها الصحيح.

 

الفتاة التي سقطت (أو «أُسقطت») من الطابق الثالث لم تنزل إلى الدنيا من بطن أمّها «عاهر» (عندما وجب أن نسمّى الأسماء بمسمياتها)، وهي بالقطع حلمت (أثناء فترة المراهقة) ولا تزال تحلم (ككلّ بناة سنّها وجيلها) بالزوج والأسرة والأبناء والسعادة والهناء، وعيش الحياة على الحلو والمرّ مع «شريك العمر».

ما الذي يدعو هذه الفتاة «الحالمة بالفضيلة» أن تنزل بل تغرق في «مستنقع الرذيلة»؟

 

سقوط من طوابق الأخلاق

سقوط من طوابق الأخلاق

وجب الاعتراف أنّ «سمعة رجل الأمن» لا تزال متراوحة بين «سواد سنين الطغيان» معطوفة على ما يرتكب هذا الجهاز أو ذاك، أو بعض أفراده من «حماقات» أتى معظمها (أو كلّها) مجانيّ، بل انعكس سلبًا على صورة الأمن والثقة التي لم تتشكّل بعد.

لكن في المقابل، وهذا ما يدفع إلى الدهشة، لماذا ينظر المواطن العادي إلى «خميسّ» وكذلك «عاشور» ويندّد بهما أشدّ التنديد، وينصب لهما «فخّا اعلاميّا»، ويترك بل يغضّ الطرف عن «رشاو» تساوي الواحدة منها ما يتلقاه «الأعوان» من جميع الأسلاك في يوم واحد؟

 

ليس المجال للمفاضلة في مجال الرشوة أو اسقاط المسألة ضمن بعد «كمّي» (حصرًا)، بل فقط السؤال والتساؤل عن هذه «التفرقة» في المعاملة، حين يصرّ المواطن (العادي) على التشهير بهذه الفتاة (المسكينة) وهذا «العون» (الفقير إلى ربّه)، وينسى ويتناسى «مسؤوليّة المجتمع» (أي نحن جميعًا) ويتجاوز (من الناحية الأخرى)، دعارة الطبقات الراقية، ورشاو تبلغ في بعض «القطاعات الاقتصادية» (ملايين الدينارات يوميّا)…

 

المسألة تتجاوز «القانون»، الذي أتى صريحًا وواضحًا، حين يأتي تجريم الدعارة واضحًا وكذلك تجريم الراشي والمرتشي ومن بينهما، بل السؤال من منطوق اجتماعي/أخلاقي، تساؤل عمّا أوصل المسألة إلى هذا الحضيض في التعامل مع الموضوع ذاته بدرجات، وكذلك تركيز الأضواء على هذا وترك ذلك ينعم بدعارته أو يتذوّق رشوته في الظلام الدامس جدّا؟؟؟

 

إنّها الرغبة في التشنيع والحاجة إلى الظهور في موقف الواعظ الأخلاقي أو لعب دور الزعامة في مجتمع صار يفتقد إلى «الأخلاق الجامعة». الدعارة صارت في بعض المقاهي سلعة معروضة أمام العموم ولمن يدفع، مع امكانية التمتع بالخصم أو الهدايا بالنسبة للحرفاء الأوفياء، والرشوة في المقابل انتشرت (قياسًا بالأشهر الأولى لما بعد 14 جانفي) وصارت لا ينقصها سوى تسليم وصل في الغرض!!!

 

هذه الظاهرة وتلك علامة على «مرض المجتمع» (برمّته)، وهذا المرض على درجات وفي مستويات عدّة:

أوّلا: منظومة اجتماعيّة صارت تميل إلى «الفردانيّة» ممّا عمّق هشاشة النفوس، وجعلها لا تثق في العلم أو العمل، وأصبحت أقرب إلى الغشّ في الامتحانات ودفع الرشوة وقبولها، طالما المجتمع صار (مع استثناءات) لا يعطي قيمة سوى «للنتائج»، بل ويتغاضى عن «الأسلوب» ما دام «الحاصل» يشفع لذلك.

ثانيا: ثبت بالدراسات العلميّة أن السعي وراء الرشوة، إضافة إلى غياب الوازع الأخلاقي، وتراجع الضمير المهني، مردّه ضعف في نظام «التقدير والحوافز»، أيّ أنّ الإدارة لا تقدّر الأفضل ولا تبجّل المجتهد، فيكون السعي (السيكولوجي) وراء «التقدير المادّي»…

 

من ذلك ،لا يمكن ويستحيل، أن نتحدّث (بما هو دائر ضمن المنتديات الاجتماعية) بهذه السلبية عن «أعوان الأمن» وعن «عاهرات»، ويكون حينها «الشعب» سليمًا معافى، بل تجزم جميع الدراسات وتؤكّد كل الأبحاث العلميّة دون استثناء أنّ الفئات العمريّة والاجتماعيّة وحتّى المهنيّة مترابطة، حين لا يمكن ويستحيل النظر إلى هذا (الذات) في صيغة «المقدّس» والآخر (مهما كان) في أسلوب «المدنّس»…

 

في مجتمعات (متخلّفة) اعتادت (بما في ذلك داخل العائلة الواحد) شتم «الغائب» أكثر من «الحاضر»، والتشهير بمن هو «تحت الأضواء» أكثر ممّن يمارس ما يمارس في جنح الظلام، يمكن الجزم أنّ هذه المجتمعات ذاتها مريضة لأنّها:

أولا: لم تؤسّس لمنظومة مجتمعيّة تحفظ الحدّ الأدنى من الأخلاق وتجعل «المخالفة/الجريمة» حالة شاذّة وليس القياس المعتمد،

ثانيا: كلّ هذه الأمراض الاجتماعيّة وغيرها، دليل على فساد المنظومة التعليميّة أو (بالأحرى) افسادها، حين لم يعد المعلّم «مقبولا» (لدى التلاميذ) بل أن (كاد) يكون «رسولاً)…

 

لذلك يأتي الذي يمارس التشنيع في صورة المريض الذي يشتم المريض مثله لينفي اصابته بالمرض ذاته، وبالتالي، علينا التخليّ عن فكرة «الجزء الطاهر» (من المجتمع) الذي عليه أن يصلح «الجزء الفاسد» لأن الخلل مسّ جميع المنظومات القيميّة، من تديّن في بعده الإيماني وكذلك ممارسة الشعائر، أو الأخلاق التي كانت إرثًا مشتركًا

ليس الطلب أو البحث عن «المجتمع الفاضل» حين جاءت كلّ العصور بنصيبها من «الفساد» والفاسدين، بل هو ألاّ تصير «الرذيلة» مرجعًا يتباهى بها الأفراد، كمثل حال «الزطلة» راهنًا…

 


3 تعليقات

  1. كلامك دوما عظيم يا أستاذ. .. ومواقفك دوما عظيمة
    خاصة انك لم تجعل شرف مهنة الصحافة أسيرا لمرتبات الإمبريالية الإعلامية ببلادنا…
    شكرا لك وتمنياتي لك بالتوفيق.
    )ماحوظة: رجاء مراعاة أن أمثالنا في تونس لم يعودوا يقدرون على قراءة النصوص الطويلة :) ).
    شكرا مرة اخرى

    • سيدي الفاضل:
      شكرا على المديح والاطراء
      اما عن طول المقالات، فجميع المقالات تتراوح حول 700 كلمة، وهو الكم من الكلمات المنصوح به علميا…

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي