ليبيا: المحرقة القادمة والقيامة القائمة…

8 فبراير 2016

لا حديث بخصوص «الشأن الليبي» سوى عن «طبول الحرب» الذي تدقّها «عديد العواصم» (في عنف شديد)، محذرة من أنّ الوضع في هذا البلد «جاوز المدى» أو هو بلغ من «الخطورة» ما لا يبيح الصمت.

في ليبيا، المشكلة الكبرى، على الأقلّ على مستوى التصريحات الإعلاميّة والقراءات الدبلوماسيّة (الغربيّة خاصّة)، تكمن على مستويين:

أوّلا: «الإرهاب الأكبر»: أيّ وجود (ما يسمّى) «داعش» في وسط البلاد، وسيطرتها على سرت ومسعاها للتمدّد إلى «العمق النفطي» أوّلا، وكذلك تحوّل هذا «السرطان» إلى «حالة مخيفة» بالنسبة إلى دول الجوار (المباشر) أو الجوار الأوروبي القائم على مرمى قارب أو صاروخ، ثانيا، حين تتوفّر (هذه) القوارب والصواريخ في ليبيا خاصّة، وفي دول جنوب البحر الأبيض المتوسّط عامّة.

ثانيا: «الإرهاب الأصغر»: أو وجود عدد كبير من «التنظيمات المسلّحة» في المنطقة الغربيّة، ذات عمق اسلامي (متفاوت)، تمتلك مقاتلين وعتاد نوعي، وقادرة على التحوّل (بحسب العقل الغربي)، أو هي استراتيجيّا «شوكة في خاصرة أوروبا»

داعش في ليبيا

داعش في ليبيا

هناك مسعى أوروبي أمريكي، لدفع البلاد نحو قتال بين كلّ من «الإرهاب الأكبر» وكذلك «الإرهاب الأصغر»، أيّ أنّ على الجهة النافذة في طرابلس، وهي الأقوى عسكريّا على الإطلاق، أن نستنفذ ذاتها، وتفني قوّاتها أو جزء منها، نفيا لتهمة «الإرهاب» (أوّلا)، وللحصول على «شهادة حسن سيرة وسلوك» من الغرب (ثانيا)…

 

غياب القدرة على التدخّل العسكري المباشر والتقليدي، وعدم قدرة (أو رغبة) أيّ دولة أن تغرق في الرمال الليبيّة، يجعل من ضرب «الإرهاب الأكبر» بما هو «الإرهاب الأصغر» الحقيقة الدامغة الوحيدة، ربحًا لهدفين:

أوّلا: افناء الطرفين أو على الأقلّ جعلهما في حال من التحجيم والتقزيم ما يمكّن من اللعب بهما ومن خلالهما للمحافظة على نمط من «الفوضى الخلاّقة» في ليبيا، وثانيا، تحويل الجميع إلى «بيادق» فوق رقعة المعادلة الدوليّة

ثانيا: وجود (ما يسمّى) «داعش» في ليبيا، بضاعة جيّدة يمكن تصريفها لدى دول الجوار وحتّى العمق الأوروبي الذي اكتوى في فرنسا بنارها، سواء لتبرير حالة «الطوارئ» كما في فرنسا، أو (وهنا الأهميّة) تأجيل أو صرف النظر في كلّ الاستحقاقات الاجتماعيّة وتبعاتها الاقتصاديّة، التي مثلت في أوروبي إلى حدّ قريب، المحدّد الأوّل والأكبر للقرار الانتخابي للمواطن الأوروبي…

الكلّ في العالم الغربي وفي أوروبا يتحدّث عن «وجوب التدخّل العاجل والأكيد في ليبيا»، لكنّ لا أحد ينوي أو يملك القدرة أو هي الشجاعة (السياسيّة) للقفز فوق هذا المستنقع الذي يمكن الجزم أنّه أشدّ خطورة من أفغانستان، سواء لسعة البلاد، أو لوفرة السلاح، أو (وهنا الأخطر) بسبب رفض جانب واسع جدّا من الليبيين لهذا التدخّل، الذي سيتمّ تكيفه في صورة «الاحتلال» الواجب (شرعًا) محاربته بالسلاح (أيّ الجهاد في سبيل الله)…

 

كذلك استبعدت غرف العمليات الغربيّة من قاموسها أو هي من خططها، الوجود العسكري المباشر، لارتفاع كلفته الماديّة، وكذلك الكلفة البشريّة وتأثير ذلك على المواطن/الناخب، واستعاضت عنه، بأمرين:

أوّلا: تحريك «الرقعة الداخليّة»: اللعب على التناقضات الداخليّة، والنفخ فيها، لجعل «الفوضى الخلاقة» فاعلة على مستوى نقل «التناقضات» مع الأطراف الليبيّة لجعلها «داخليّة» بحتة، بل تأبيدها والعمل على اطالة النزاعات وفق مقتضيات الخطّة.

ثانيا: تحريك «القطع الخارجيّة»: ميزة «الإرهاب» (المرتبط بالإسلام السياسي) أنّه صار عابرًا للأقطار وللقارات، أيّ أنّه صار «قوّة تدخّل» سريعة (بالمعنى الحقيقي للكلمة)، ممّا يعني القدرة على تحويل ليبيا إلى سورية جديدة، وقذف في ساحاتها، مئات الآلاف من «الجهاديين»… خاصّة وأنّ «الملفّ السوري» بدأ يعثّر وتأتي الحاجة لفتح «سوق جديدة» يتمّ تصريف فيها هذه «القوى الفاعلة»….

 

على المستوى الليبي الداخلي، تقف أمام مشهد غريب وسريالي بل أشبه ما يكون من «رواية خياليّة»، حين نعدّد «الشرعيات»:

أوّلا: شرعيّة السلطة القائمة في طرابلس: التي تعتبر نفسها الأوْلى بالسلطة لعاملين: أوّلهما «القوّة العسكريّة الأفضل» وثانيهما «الشرعيّة الثوريّة»

ثانيا: شرعيّة السلطة القائمة في طبرق: التي تعتبر نفسها الأوْلى بالسلطة، رجوعًا إلى ما تراه «شرعيّة الانتخابات» (أوّلا) والاعتراف الدولي بها (ثانيا).

ثالثًا: شرعية السلطة الناشئة عن المحادثات: التي تعتبر نفسها الأوْلى بالسلطة، بل ترى في نفسها السلطة الناسخة للسلطتين، حين قامت على «شرعيّة» الجهة التي أشرفت على المحادثات، أيّ «المجتمع الدولي»…

يمسك الطرف الغربي، أو هي الأطراف الغربيّة بخيوط اللعبة، وتعمد إلى تخيير الأطراف الليبيّة بين خيارين:

أوّلا: القبول بالإملاءات الغربيّة كاملة وغير منقوصة، أيّ إعادة صياغة ليبيا (الدولة والوطن والشعب) وفق «حماية» جديدة،

ثانيا: السقوط تحت طائلة هذه «الشرعيّة الدوليّة» القادرة افتراضًا على وضع ليبيا تحت البند السابع، أي تشريع التدخّل العسكري، أو حتّى التدخّل بدون هذه الشرعيّة الأمميّة…

 

تعلم الأطراف الليبيّة أنّ اللعبة الحقيقيّة «أضيق» (بكثير) من المدى المفتوح بين هذين الخيارين، وأنّ الأطراف التي صنعت «السلام» (في المغرب) عاجزة أو هي رافضة لتجهيز الجيوش وتنصيب هذه «الحكومة الجديدة» في طرابلس بالحديد والنار، لكنّها تعلم أنّ هذه الأطراف، قادرة بل هي فاعلة على مستوى اللعب داخل الساحة الليبية على استدامة التعفّن الداخلي والوصول به إلى درجات أشدّ عفونة ممّا هو الوضع في سورية، ممّا يعني أنّ المسألة ليست مفتوحة على «من ينتصر» مقابل «من الخاسر»، بل (وهنا السؤال):

ماذا تربح وماذا تخسر؟؟؟؟


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي