هل تحتاج تونس إلى « حكومة » أصلا؟؟؟

2 يناير 2016

في ظاهرة لفتت انتباه علماء الاجتماع والسياسة وكلّ الاختصاصات المشابهة أو القريبة، قضت دولة بلجيكا، ذات التقاليد الديمقراطية غير القابلة للطعن، أو هي (على الأقلّ) ضمن «النخبة العالميّة» في تطبيق (هذه الديمقراطيّة)، قضت 18 شهرا دون حكومة تسيّر شؤون البلاد وتشرف على مقدّراتها، دون أن يشعر «المواطن العادي» بأيّ تأثير للأمر (أي انعدام الحكومة) على «سائر شؤون عيشه»، ممّا دفع عديد المحلّلين إلى طرح في جديّة تتأسّس على كمّ معرفي وقدر من التحليل، السؤال التالي:

ما فائدة الحكومة؟ أو أيّ سلطة سياسيّة مشابه؟؟؟

 

لم يأت الطرح من باب الترف أو حتّى ما عهدنا من «خرجات» العلماء، بل هو سؤال يتأصّل ضمن المنطق المباشر للمشهد السياسي القائم (حينها) في بلجيكا، حين عجزت الأحزاب، سواء بحكم تركيبة البرلمان ونسب المجموعات السياسية أو كذلك «عناد» هذه المجموعات، عن تشكيل حكومة.

هذه القراءات النقديّة، وصلت إلى القول أو السؤال عن الأسباب التي لا تجعل «الشعب» (مصدر الشرعيّة والسلطة) يكلّف «إدارة» (بمقابل)، غير منتخبة، تتولّى «إدارة» البلاد (كما هو الحال في بلجيكا)، خاصّة أنّ الخيارات المجتمعيّة الكبرى محسوم أمرها، وقد صارت الأحزاب إلى الخلاف والصراع السياسي، بسبب التفاصيل وكيفية تطبيق هذه الخيارات.

 

هذا السؤال (ربّما) يأتي ترفًا ممّا تتيح «الديمقراطيات الغربيّة»، حين تجاوزت وحسمت أسئلة لم يعد من الممكن أو المستساغ أو المقبول طرحها، لكنّه سؤال «حارق» أو (على الأقل) «قابل للطرح» في دولنا، التي تعاني من الفساد والبيروقراطيّة وسوء التسيير، علمًا وأنّ كلفة الحكومة تأتي شديدة الارتفاع، حيث يتمّ صرف 7 دنانير تونسيّة، من أجل إيصال دينار تونسيّ واحد إلى مكانه.

 

القصبة

ساحة الحكومة بالقصبة

على المستوى الواقعي، نلاحظ في تونس جمودًا في الوضع وانسدادًا في الأفق، من خلال حكومة «شقّة مفروشة»، أيّ أنّها منذ يومها الأوّل، اعتبرت نفسها مرشحة للمغادرة في اليوم الموالي، ممّا جعل الوزراء والوزارات، حين نقرأ حسن النيّة، ونلغي من الحساب «الفساد» (بشتّى صروفه)، عاطل وعاطلة عن العمل، ولا يتعدّى الدور (في أقصاه) البحث عن حلول ترقيعيّة أو انجاز مشاريع «فرجويّة»، هدفها رفع أسهم (السيّد) «الوزير»، سواء من باب التشبّث بالكرسي أو فتح الأفق على مجالات أخرى (بعد المغادرة)…

 

من الأكيد وما لا يقبل الجدل، أنّ «الجمود» (أو «التجمّد») الحكومي سابق لحكومة الحبيب الصيد، ومن ثمّة لا يجوز (أخلاقيا) أن نجعل من هذه الحكومة «كبش فداء» (بمفردها)، بل هو مزمن منذ زمن بن علي، الذي كان يملك القدرة والسلطة وما يكفي من «البطش» لصناعة «صورة» (مخاتلة) لتحرّك «وهمي»، أساسًا من خلال «الاعلام» القادر على صياغة الوهم وصناعة الصورة الوهميّة….

 

من «التجربة التونسيّة» يمكن ملاحظة أنّ أثناء فترة «17/14»، أثبتت أنّ الإدارة التونسيّة قدرة على الثبات هي الأخرى، في دولة (على خلاف بلجيكا) تفتقر إلى الحدّ الأدنى الديمقراطي، ممّا يجعل السؤال مطروحا (معرفيّا) عن هذا التباين الكبير، بين «صمود» الإدارة في مقابل «انهيار» الدولة؟؟؟؟

 

بعيدًا عن طرح الأسئلة في بعدها «الفلسفي» (كما هي الحالة البلجيكيّة)، حين يبرع الغرب (الديمقراطي) في الخروج بأيّ ظاهرة من مجال «المشاهدة والتشخيص» وجعلها «مبحثًا فكريّا/أكاديميّا»، يجوز السؤال والتساؤل ليس عن العلاقة بين «الإدارة القادرة» من جهة، مقابل «الحكومة المقيّدة» في تونس، بل عن الأسباب التي لا تزال تكبّل «المرفق العام» وتجعله غير قادر، أو هو في عجز عن تقديم الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة العادية وطلبات المواطن اليوميّة؟؟؟

يمكن الجزم أنّ عدوى الحكومة أصابت الإدارة، التي تراجعت عن أدائها (في الجملة) بل صارت عديد القطاعات (كمثل رفع الفضلات) إلى تراجع خطير وقادر (في بعض الأوقات) على تهديد الصحّة العامّة….

 

هناك مسعى لتشكيلة حكومة جديدة، يُراد منها أن تكون الترجمان الحقيقي للتوازنات الجديدة (أو الجادّة) على المشهد السياسي، وكذلك أن تكون «جرعة الأكسيجين» التي ستدفع (؟؟؟) العمل الحكومي نحو الأفضل، علمًا وأنّ الحكومات منذ 14 جانفي إلى اليوم، لا تزال تعيش وفق «منطق التعليل»، أي عدم السعي للبحث في أسباب الاخفاق، بل العمل على اختلاق الأعذار وتقديمها في صورة «السبب الشرعي والمقنع» لسوء الأداء.

حكومة الغنوشي وكذلك حكومة الباجي، جاءت التعلّة منهما، أنّها «لتصريف الأعمال»، وبعدها جاءت «الحكومة المؤقتة»، التي جعلت من صفة «المؤقت» سببًا لكلّ هفواتها، والآن نعيش زمن التعليل بالفرز السياسي القائم على العنف والعداوة، في انتظار «تعلّات» (قادمة)…

 

ربّما (أو من الأكيد) لن تسعى جهة في بلجيكا أو تونس، إلى حلّ السلطة التنفيذيّة، والاستعاضة عنها بالإدارة، حين لا يزال الأمر حلمًا، لكنّ السؤال واجب بخصوص هذا «العقم الحكومي» (في تونس) العاجز ليس فقط عن تلبية الاحتياجات العاديّة، بل (وهنا الخطورة) هو بصدد «وأد» الحلم الذي جاءت به «الثورة»، أي، بكلّ بساطة عندما نريد أن نلخّص المشهد (المطلوب):

«حلاوة العيش»، أيّ (على الأقلّ) أن يحسّ المواطن، أنّ الحكومة ومن ورائها مجمل السلطة التنفيذيّة، ومعها وبموازاتها، السلطة التشريعية، بسند من السلطة القضائيّة، سائرة على درب تحقيق هذا «الحلم»، عندها يكون الصبر أوّلا، والسؤال عن السبل الكفيلة بتسريع النسق ثانيا، دون أن ننسى ما تحيل عليه عقلية «الثقة» المقرونة بهذا «الصبر»، من طاقة قادرة على جعل المواطن العادي، يتحمّل شظف العيش وصعوبة الحياة…

بكلّ التشاؤم المطلوب، لا تزال «الطبقة السياسية» تعتبر السياسة وتتعامل معها كما هو «طرح شكبّة» (في حومة عربي)، أيّ أن الفوز يصبح غاية في ذاته، والربح أغلى المطالب (مهما كان الثمن)، ومن ثمّة لا يأتي الأداء الحكومي مرتبطا بهذه «المصلحة العامّة»، بل بسبل «تثبيت السلطة» أو (في رواية أخرى) «تأبيدها»…

 


تعليق واحد

  1. الوضع يتلخص حسب رايي المتواضع في الرجولية والوطنية وهما خصلتان يا عندك يا ما عندكشي ظ محبة استاذ

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي