الضرب والحرب في ليبيا، والوجع والألم في تونس.

10 فبراير 2016

لا أحد (من العاقلين وأصحاب الحدّ الأدنى من البصيرة) ينتظر أو يترقّب ردّا «عقلانيّا» (واحدًا) من طبقة سياسيّة تونسيّة، احترفت، بل تريد أن تحتكر «صناعة الخوف» وكذلك «تركيز الرعب» من أيّ شيء، ثمّ تنطلق كمثل «الولايا» (في السينما المصريّة) في «ولولة» طويلة عريضة لا تنتهي…

قائمة طويلة لا تنتهي وهي بصدد المواصلة. فعلها وزير دفاع أسبق عندما بدأ في جرد علني على وسائل الإعلام لمعدّات الجيش التونسي في سعي منه لتبرير الحالة. فعلها القائد الأعلى للقوّات المسلحة وماسك قرار السلم والحرب، حين أطلق جملته الشهيرة «ما عندناش جيش»، وكذلك وزير الداخليّة الأسبق حين أكدّ أنّ موافقة تونس على «دخول حلف السعوديّة» لن يتبعه إرسال رجال إلى المملكة…

ضمن هذه العقليّة وهذا المنطق، الجميع من اعلاميين وسياسيين، إمّا يبرّر التدخّل العسكري في ليبيا أو هي «الضربات الجويّة»، أو أقام الدنيا ولم يقعدها بعد، كأنّ الحرب انطلقت فعلا وصارت تونس في مرمى النار

 

من الأكيد وما لا يقبل الجدل، أنّ أيّ «تغيّر» (في هذا القطر أيّ ليبيا) سيكون شديد الانعكاس على الأوضاع جميعها في تونس، ومن ثمّة على الجميع تفادي الحدّين:

أوّلا: القول أنّ تونس غير معنيّة بما (قد) يجري في هذه الجارة الجنوبيّة، وأنّها تقف «على حياد» (إيجابي)، من الوضع في ليبيا، وبالتالي ستتوخّى طريقة «الابتعاد عن الشرّ أقصى ما يمكن»، وتترك الجميع يتدخّل، حين لا أحد يفكّر لحظة واحدة، أنّ تونس تملك ذرّة واحدة، أو هي تضع اصبعها على أيّ جزء (مهما كان) من زرّ «السلم والحرب» (في ليبيا)…

ثانيا: الاصطفاف المباشر والعلني والمفتوح مع «الجهات» التي ستفتح هذه الحرب على القطر الليبي ومن ثمّة جعل البلاد، قاعدة خلفية، أو هي مركز الامداد المباشر لهذه الجهة…

 

علينا قبل التفكير في أيّ احتمال سرد الوقائع التالية التي لا تقبل المناقشة:

أوّلا: تمثّل ليبيا الشريك الاقتصادي الأوّل بين العرب، سواء على مستوى التجارة الرسميّة والمصرّح بها لدى الجهات الرسميّة، أو التهريب (بالجملة وشهرًا)، ممّا يجعلنا نتحدّث عن «تمرير» وليس «التهريب»ـ

ثانيا: ينفّس الجنوب الشرقي بكامله من الرئة الليبيّة حصرًا وأيّ تضييق على المبادلات التجاريّة، يمثّل ضربة لمصالح فئات من أصحاب رأسمال هناك، الذين أثبتوا أنّهم لا يمزحون أمام مصالحهم وأنّ بيدهم الكثير من الأدوات القادرة على «إثارة القلاقل» (في البلاد)…

ثالثًا: يمكن الجزم أنّ جزءا غير هيّن من المشاكل في البلدين أت من القدرة على اختراق الحدود (في هذا الاتجاه أو ذاك) سواء تعلّق الأمر بالمال الفاسد أو السلاح أو حتّى الرجال أصحاب الرغبة في «ممارسة الإرهاب»، مع الجزم أنّ لا الطرف التونسي، ولا الطرف الليبي يملك القدرة الكاملة والفاعلة والفعّالة لضبط هذه الحدود في الحدّ الأدنى الضامن للاستقرار

رابعًا: أثبت العثور على شاحنة تحتوي على كمّ من الأسلحة الحربيّة والمعدّات، أن الاتهام (بإدخال الأسلحة) لا يعني (فقط) الحدود التونسيّة الليبيّة، وأنّ «جهات أخرى» تلعب في «التهريب» كما «الإرهاب» في كامل مناطق البلاد، أو هي «المعابر» (الرسميّة)، المجهّزة (افتراضًا) بما يكفي لاكتشاف هذه «الممنوعات» على عين المكان…

هو العويل ذاته من الجانب التونسي وكذلك التهويل الاعلامي والمكابرة السياسيّة، حين فوّتت تونس فرصًا عديدة، لتكون اللاعب الأكبر أو (على الأقلّ) أحد أفضل اللاعبين في هذه الدولة (أي ليبيا)، بل يمكن الجزم أنّ لا دولة مؤهلة «افتراضيا» أكثر من تونس لتكون الخيمة التي تجمع الفرقاء الليبيين، ليغادروها وقدّ «ألّفت تونس بين قلوبهم».

 

الحرب في ليببا

الحرب في ليببا

على العكس من ذلك، تمّ اسقاط الخلافات (الداخليّة) الدائرة في ليبيا، على الخلافات (الداخليّة) الدائرة في تونس، فريق من هذا البلاد (أي ليبيا) يناصر (اعلاميّا) ويستقوى (سياسيّا)، بالشقّ الذي يواليه من تونسّ، ممّا جعل تونس شبيهة بليبيا (وإن كان بدرجة أقلّ) على مستوى تشتّت القرار السياسي، بل تضاربه صراحة في ما يخصّ الشأن الليبي، كأنّ في تونس (كمثل ليبيا) أكثر من شرعيّة وأكثر من حكومة وأكثر من دولة…

 

دون تشاؤم وفي واقعيّة كبرى، لن ننام على «سواد» (الوضع في ليبيا) لنستفيق غدا على «حدائق غنّاء» ملؤها الزهور والرياحين. الوضع في ليبيا مقلق وشديد الخطورة:

أوّلا: حين لم تستطع أيّ جهة اقليميّة أو دوليّة (أو هي تفعل ذلك عمدًا) المرور بالفرقاء جميعهم من منطق «السلاح» (القاتل) إلى مرتبة «السلم» (الفاعلة) على الأرض، حين نرى ونسمع ونشاهد «أصدق النوايا» وكذلك «أطيب التمنيات» من الفرقاء جميعًا أمام الإعلام وفي المنابر الرسميّة، لتصدمنا الحقيقة على الميدان.

ثانيا: لم تعد الساحة الليبيّة منقسمة (شكليّا ووظيفيّا) بين «فريقين» (مع الفوارق التفصيليّة داخل كلّ جهة)، بل دخلت (ما يسمّى) «داعش» على الخطّ، ليس فقط لتخلط الأوراق، بل لتبعثر المعادلة من أصلحها، حين يأتي تهديدها صريحًا للتوازنات القبلية والاجتماعية التي أرستها ثورة «17 فبراير».

ثالثًا: قدرة الجهات الدوليّة (الفاعلة) والدول الاقليميّة (القادرة) على تحريك «جماعات مسلّحة» كما هي البيادق (على الرقعة)، أخرج ليبيا (منذ الأوّل) من بعدها «الداخلي» (المباشر) إلى أن أصبحت «حرب وكالة» (مفتوحة وجهرًا)…

رابعًا: مجيء حكومة «التوافق الدولي» لم ينقل البلاد من «السوء» (القائم) إلى «الخير» (المعلن»، بل ستزيد هذه الحكومة الطينة بلّة، وستعمّق «صراع الشرعيات» (الورق) في علاقة جدليّة ومباشرة بما هو «صراع السلاح» (على الأرق)، مع توسّع الفارق بين الحدّين…

رابعًا: لا جهة دوليّة ولا طرف اقليمي، يريد أو يستطيع (هذا مثل ذاك) السيطرة على القطر الليبي عسكريّا، ممّا يعني أنّ أقصى المستطاع، قصف جوّي لن يحلّ المشكلة، بل سيعقدها مع ما سيخلفه من ضحايا مدنيين خاصّة، وكذلك تحريك «البيادق» على الأرض، كما (وهنا المصيبة) جلب الآلاف من المقاتلين (من خارج ليبيا) وتحويل البلد، إلى «سورية» (جديدة)، علمًا أنّ مقام تونس وقدرتها، سيأتي أشبه بما هو حال لبنان أما الحرب الدائرة في سورية…

 

على التونسيين الدعاء، حين لم يبق إلاّ الدعاء، وإعداد الخيام للهاربين من أتون حرب الأعداء، دون أن ننسى «تجار الحرب» الذي يدعون (على خلاف الشعب) أن يندلع القتال في القريب العاجل وتدوم إلى ما لانهاية….

 


تعليق واحد

  1. منير بنسعيد

    صراحة مقالك يا سيدي يبعث على الحيرة و كثير من القلق، انها صدمة الحقيقة!
    يبدو أن ضريبة سياسة النئي بالنفس ستكون وخيمة!

error: !!!تنبيه: المحتوى محمي