الهايكا: «الهلكة» مقابل «برّا هكّاكه»!!!!

17 ديسمبر 2015

من شاء (في تونس) وضع ملفّ الإعلام على طاولته، عليه أن يدرك الحقائق التالية، التي لا تقبل الدحض:

أوّلا: نعيش في بلد صار فيه من شاء وأراد يكتب ما شاء وأراد، حين صارت التكنولوجيا (بوسائل جدّ بسيطة) تمكّن أيّا كان من التحوّل إلى «باثّ» (للمعلومة التي يريد) سواء المكتوبة (الكترونيا) أو مسموعة أو مرئيّة. من ثمّة لا مجال أو هو ولّى (دون رجعة) زمن «الرقابة» القادرة على المنع (الكامل)، فقط تعمّقت «لعبة القطّ والفأر» بين «لاعبين» (من كلّ الأنماط) مقابل «رقيب» أصبح شبيه «بوّاب» عمارة دون باب…

ثانيا: لم تعد السلطة الاعتباريّة (النقّابة، معهد الصحافة وعلوم الأخبار، الهايكا وغيرها) تملك تلك «المكانة الاعتباريّة» بمعنى «كبير الحومة»، الذي بيده «العقد والربط» أو هو محلّ احترام من الجميع. صارت البلد «بلاش كبير» (في مجال الاعلام)، الكلّ قادر على سبّ الكلّ، والذهاب معه أو به إلى أقذع النعوت.

ثالثًا: لم يعد القانون (حين غابت سلطة الرقابة الالكترونيّة أو تلاشت بمفهوم المنع والحجب) يملك «هيبة زمان»، عندما كانت قضية «انترنت» أمام المحكمة تثير الرأي العام الداخلي والخارجي، وعندما كان بن علي يملك القرار (أو هي القدرة) على اغلاق موقع أو تعطيل مواقع أخرى…

رابعًا: صار المال السياسي طاغيا على المشاهد الاعلامية جميعها، ولم يعد من الممكن الحديث عن «حياديّة» أو موضوعيّة، بل صار «المشروع» (بالمفهوم المالي أو الأيديولوجي أو معًا) هو المسيطر أو هو المعلن جهرًا في القنوات الخاصّة، في حين تحوّل كلّ برنامج في الاعلام السمعي البصري العمومي إلى «مزرعة» (خاصّة) أو يكاد، يفعل فيه القائمون على الأمر ما يريدون تحت شعار «حريّة الإعلام» أو «لا وصاية على الإعلام»….

وسط هذه «السوق»، سواء بمفهوم «البزنس» أو على اعتبار اللفظ لغويّا، يعني جمع جمع كلمة «ساق»، يمكن الجزم أنّنا أشبه (فعلا) بأدغال أين «قانون الغاب» هو الحاكم، بل الأخطر والأشد وبالا:

أوّلا: صار اللعب على المكشوف والانقلاب ممكن من النقيض إلى النقيض

ثانيا: تحوّلت الجهات الاعتباريّة (مثل الهايكا والنقابة) إلى أطراف في الصراع، أسوة بالأطراف الأخرى، ممّا يعني أنّها تتلقّى «الضربات» كما تكيل «الضرب» (ما استطاعت)…

هايكا - الحوار التونسي

هايكا – الحوار التونسي

ضمن هذه «المعمعة» يأتي قرار «الهايكا» بحظر برنامج «لا باس» وبرنامج «لمن يجرؤ فقط»، حين سبق لهذه الهيئة أن غضّت أكثر من مرّة أكثر من طرف، بخصوص «هفوات» أشدّ وكذلك «أخطاء» أفظع، ليكون السؤال (المعرفي والاستفساري) عن الضوابط التي يعتمدها هذا «الطرف الرقابي»، حين جاءت قراراته أقرب إلى عشوائيّة تضرب كما شاءت وكما تريد، وأيضًا دون القدرة (وهنا الخطر) على «مساءلتها» هذه الجهة…

من الأكيد وما لا يقبل الجدل، أنّنا أمام صورة أخرى من حرب «المواقع الاعلاميّة» التي تأتي فرعًا من «الحرب الشاملة» من أجل السلطة في تونس، ومن الأكيد أنّ للإعلام علاقة وطيدة بالسياسة والمال والرياضة، ومن ثمّة لا قدرة أو ربّما لا رغبة للكثير في فصل هذا الاعلام عن هذه «الجهات» التي توفّر المال وتطالب بمقابل هذا المال، حين ثبت أنّ سوق الاعلانات غير قادرة على تغطية النفقات الجارية (على الأقل) ممّا يعني أنّ لا جهة في تونس (بما في ذلك «الهايكا») قادرة على طرح سؤال: «من أين لك بهذا المال» (الذي تدور به هذه القناة التلفزيونيّة أو هذه المحطّة الاذاعيّة) لنتأكّد بما لا يدع للشكّ أنّنا أمام «مشهد/سوق» لا تحترم الحدّ الأدنى من «الواجهة الديمقراطيّة»….

الأزمة ليست فقط على مستوى ما يجري، بل على مستوى السياق العام الحاكم للبلاد والمتحكم في «المشهد الإعلامي»، حين لا يملك أحد قدرة القول «أنّنا نعيش ديمقراطيّة» (في حدّها الأدنى)، حين لا تعني هذه «الديمقراطيّة» فتح الباب على مصراعيه أمام «المال السياسي» (المفضوح) ليثبت بالدليل المادي الذي لا يقبل الدحض أنّنا أمام ملهاة تارة ومأساة تارة أخرى…

ليس السؤال أن تكون مع منع هذه البرامج (أو غيرها) ممّا يعني التأسيس لسلطة «المقصّ» في حين أنّ الأصل في الإعلام هو «السماح» وليس المنع، أو تكون مع «من هبّ ودبّ يفعل ما شاء وما أراد»…

هذه المعادلة مسمومة وهي تحيل على الاختيار بين علقمين لسببين:

أولا: المعادلة أوسع بكثير من هذين البرنامجين، وهذه «الهايكا» (مهما يكن الموقف منها) أتت انتقائية، بل لم تعامل الجميع على قاعدة «نفس الفعل يستوجب القرار ذاته»،

ثانيا: الأصل (حين نريد التقدّم بالشأن الاعلامي) ألاّ نتكل على الزجر والمنع والعقاب والاغلاق (فقط)، علينا التأسيس لمجموعة من «القيم» الذي يحترمها السواد الأعظم، ليصبح «الخطأ» ذلك «الاستثناء» وذلك «الأمر الطارئ» وليس القاعدة والأصل كما نشهد وكما نشاهد…

من الغباء فعلا (مع الاعتذار من الأذكياء) أن يحصر المرء ذاته، وضائقته وكامل همّة، بل ومفهوم «الانتماء الصحفي» على أساس الوقوف مع هذا «الشقّ» أو ذاك «الشقّ»، ونغرق في حرب طاحنة، تستنزف الوقت والجهد، بل (الأخطر) أن نحيد بالمسألة الاعلاميّة عن مسارها الصحيح، وتصبح هذه «الحرب الجانبيّة» (في أفضل حالاتها) «أمّ المعارك» التي من أجلها يتمّ التجييش الاعلامي وفرز الصفوف.

علينا العود بالمسألة (الإعلاميّة) إلى مربّعها الأوّل والمباشر والذي لا يمكن أن يخرج عن «السياق الثوري» من خلال أمرين:

أوّلا: الخروج بل هي القطيعة المعرفيّة والفكريّة والذهنيّة، مع وضع الخيار بين «ما كان زمن بن علي»، وما «نعيشه راهنًا»، لأنّ الأمر لا يمكن في الخيار بين «ما عشنا» في مقابل «ما نعيش»، بل في أن نقارن ما عشنا وما نعيش من جهة، بما «هو الأفضل والأرقى والأجدر» بهذه البلاد.

ثانيا: عدم فصل الإعلام عن «السياق العام» (للبلاد) والخروج من «أكذوبة» أنّ الإعلام لا يهمّ سوى الإعلاميين وحدهم، حين يأتي الإعلام «رسالة» للمتلقّي الحقّ في تحديد القرار فيها، وكذلك «سلعة» للمستهلك من الرأي ما يحدّد «نمط» السلعة التي يريد استهلاكها..


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي