داعش: مسؤوليّة الطغاة وفشل الثورات

10 مارس 2016

منذ أن أقدم  البوعزيزي على حرق ذاته، لا يزال السؤال ذاته يرنّ في العقول والآذان وحتّى النفوس والعقول، بل صار الهاجس الأوّل، خاصّة وأنّ الواقع (بحساب البلاد) قفز بالسؤال من مرتبة المعرفة المجرّدة إلى مصاف الحرقة القاتلة:

أيّ فائدة من هذه «الثورات» (مهما كانت التسميات ومهما تكن التوصيفات)؟؟؟

 

يمكن الجزم من باب اليقين أنّ هذه «الثورات» شكّلت أحد أهمّ التحوّلات في تاريخ المنطقة العربيّة، سواء لتأثيرها المباشر بأن أسقطت أنظمة أو مسعاها لإسقاط أنظمة أخرى، أو أكثر من ذلك، حين حملت عدم الاستقرار هنا والدمار هناك.

 

هناك من صار ينظّر أنّ «الأنظمة السابقة» (للثورات) أفضل، وأنّ الحال (وقتها) لم يكن بهذا السوء، ممّا يعني فتح الباب منطقيّا على نوع من «الحسرة» أو هو الطلب المعلن بالرجوع إلى ما قبل يوم 17 ديسمبر/كانون الأوّل 2010 في سيدي بوزيد، حين أشعل طارق البوعزيزي (الشهير بتسمية محمّد) النار في ذاته.

لم يأت السؤال عن «جدوى الثورات» في بعد فلسفي ولم يدر في فلك أكاديمي، بل يطرحه العام قبل الخاص، ورجل الشارع قبل رجل السياسة، خاصّة وأنّ «غول التوحّش» (ما يسمّى داعش) صار جزءا مؤسّسا لحقيقة الواقع المعاش أو هو أساس الخوف الكامن في النفوس.

 

بين هاجس الخوف الشامل من هذا «الغول» القادم من «غياهب التاريخ» وبين البحث عن «لجوء» إلى «العهد السابق» (وإن كان في الذهن) يتراوح الفضاء العربي بكامله، حين صارت الصورة (وما تحمل من رعب) ليس فقط تسافر، بل تتحوّل إلى أضعافها من بلد إلى أخر.

 

Ben-Guardenفي تونس، البلد الذي اندلع منه «شلاّل الثورات» تأتي جميع الأسئلة مركِزة على «نجاح المثال التونسي في الانتقال الديمقراطي»، حين يعترف أشدّ المتشائمين، أنّ «الحالة التونسيّة» تمثّل «أقلّ الحالات سوءا» ممّا يجعل (هذا البلد) أمل «الثوّار» (العرب)، بل هي «قِبْلَتهم» التي لن يتركونها تضيع منهم.

أحداث بن قردان، ومجيء «الإرهاب» بهذا الكمّ وهذا «العنف» وخاصّة مشروع» اقتلاع قطعة أرض من الدولة والبلد والمشروع الثوري، لتعيد طرح سؤال «الندم» وكذلك سؤال «الفائدة» من عدم الحسم مع بعض الأطراف التي يراها أصحاب (هذا) الرأي «مسؤولة عن مولد الإرهاب»….

 

هو تخبّط معرفي وكذلك تدافع مرضي في مواجهة «الإرهاب» من خلال أمرين:

أوّلا: المزايدة على مستوى الخطابة اللغويّة في «محاربة الإرهاب» كأنّ الأمر «تنافس» في «اللغة» وكذلك «ابراز النوايا».

ثانيا: تحوّل «المسألة الارهابيّة» من مسألة «تهمّ الدولة» على مستوى «أدوات الفعل» إلى «شأن إعلامي» تتنابز من خلاله الأحزاب والجماعات السياسيّة، بحثًا عن «موقع أفضل» ليس لمحاربة الإرهاب (من خلال أدوات الدولة)، بل في مجرّد الارتقاء فوق أكتاف الأخرين…

 

في ضياع الفواصل بين «العهد البائد» (من جهة) مقابل «المشروع الثوري»، يمكن الجزم أنّ كلّ «النقاشات» السياسيّة والإعلاميّة، تأتي أقرب إلى حوار الطرشان، حين يتوزّع المنطق السياسي بين:

أوّلا: من يبحثون عن «نقاط تقاطع» لم تأت من باب الإيمان القاطع، بل (وهنا الخطورة) السعي لإيجاد «محطات توقّف» أملتها ضرورة الصراع وكذلك التوازنات الاقليميّة وموازين القوى الدوليّة.

ثانيا: الحسم أو السعي للحسم أو هو الترويج له، في صورة المنفذ الوحيد نحو «الخلاص» من الوضع القائم، ممّا يؤجّج منطق الصراع، بل افتعال الارهاب أو اعتماده ضمن «أسئلة التخوين الشامل»…

 

كلّ هذا «الحراك» الأقرب إلى «الغوغاء» يتمّ وسط أو هو محاط بشيئين:

أوّلا: تأثّر «الدولة» مباشرة بهذه «الغوغاء»، بل سعت أطراف «المتصارعة» إلى ادماج الدولة (بأيّ طريقة كانت) ضمن هذه «الحرب»، سواء بالحديث عن «الموازي» (الأمن مثلا) أو لتأثير هذه الأوضاع على مردود الدولة، دون أن ننسى الأجواء العامّة على المنابر الاعلاميّة، حين صار الوزراء جزءا من مشادات كلاميّة أضرّت بسمعة الدولة، مهما يكن البادئ أو المظلوم؟

ثانيا: توسّع الهوّة بين «الحراك السياسي» (المرتبط بالمستويين الحزبي والاعلامي) في مقابل «الحراك الشعبي» الذي وإن أقبل في شغف كبير على بعض القنوات، إلاّ أنّ برامجها تأتي أقرب إلى ماء البحر، حين يزيد العطش وتتوسّع الهوّة، سواء لعدم اعتماد «المتصارعين» بهذا المتلقي خارج دائرة «المنفعة» أو عدم قدرتهم على تصوّر السياسة خارج منطق الصراع الأفقي، في حين ينغمس العمق الشعبي في لعبة الخوف ومشتقاته.

الأخطر من «نظريّة الصراع» (القائمة)، أنّ الصراع ذاته أصبح دوران في حلقة مفرغة، بل تحوّل إلى «لعبة» (في ذاتها) دون قدرة «اللاعبين» على مغادرة الحلبة (طوعًا) سواء لعدم القدرة على «التفكير» خارج منطق «الصراع» أو (الأخطر) الخوف الشديد على الذات من تبعات المغادرة…

 

يمكن الجزم أنّ (ما يسمّى) «داعش»، يتّكل على حجم «التراخي» وكذلك «التضارب» القائم في المجتمعات التي يريد اخضاعها أكثر ممّا تحمل من قوّة، لذلك دون حلّ للقضايا المصيريّة، لا يمكن التقدّم بالمجتمع (أو المجتمعات) نحو «أفضل» يضمن عدم «النكوص»…


error: !!!تنبيه: المحتوى محمي